التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - مزعومة الأشعري في الإلجاء
حسنا؟ قيل له: هذا خطأ، وإنّما معنى «اكتسب الكفر» أنّه كفر بقوّة مُحدَثة، وكذلك قولنا «اكتسب الإيمان» معناه أنّه آمن بقوّة مُحدَثة، من غير أن يكون اكتسب الشيء على حقيقته، بل الذي فعله على حقيقته هو ربُّ العالمين ...».
قال: «ودليل آخر من القياس على خلق أفعال الناس: أنّ الدليل على خلق اللّه تعالى حركة الاضطرار، إن كان الذي يدلّ على أنّ اللّه خلقها، حدوثها، فكذلك القصّة في حركة الاكتساب. وإن كان الذي يدلّ على خلقها، حاجتها إلى مكان وزمان، فكذلك قصّة حركة الاكتساب. فلمّا كان كلّ دليل يُستدلّ به على أنّ حركة الاضطرار مخلوقة للّه تعالى، وجب خلق حركة الاكتساب بمثل ما وجب به خلق حركة الاضطرار ...».
ثمّ قال: «... فإذا استوى ذلك في قدرة اللّه تعالى وجب إذا أقدرنا اللّه تعالى على حركة الاكتساب أن يكون هو الخالق لها فينا كسبا لنا، لأنّ ما قدر عليه أن يفعله فينا ولم يفعله فينا كسبا، فقد ترك أن يفعله فينا كسبا، وإذا ترك أن يكون كسبا لنا استحال أن نكون له مكتسبين. فدلّ ما قلنا على أنّا لانكتسبه إلّا وقد خلقه اللّه تعالى لنا كسبا ...».
قال: «فإن قال قائل: أليس قد خلق اللّه تعالى جور العباد؟
قيل له: خلقه جورا لهم، لا له.
فإن قال: فما أنكرتم أن يكون جائرا؟
قيل له: لم يكن الجائر جائرا، لأنّه فعَل الجور جورا لغيره، لاله، لأنّه لو كان جائرا لهذه العلّة، لم يكن في المخلوقين جائر، فلمّا لم يكن الجائر جائرا، لأنّه فعل الجور جورا لغيره، لم يجب أن يكون اللّه بخلقه الجور جورا لغيره لا له، جائرا ...».
وأخيرا قال: «ويقال لأهل القدر:[١] أليس قول اللّه تعالى: «بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»[٢] يدلّ على أنّه لامعلوم إلّا واللّه به عالم؟ فإذا قالوا:
نعم. قيل لهم: ما أنكرتم أن يدلّ قوله تعالى: «عَلى
[١] - يريد بهم المعتزلة، هكذا سمّاهم الأشعري، لأنّهم يقولون: إنّ الناس قادرون على اكسابهم ويفعلونها مقدّرة لهم دون خالقهم. قال: والقدري هو من ينسب ذلك لنفسه. اللمع، ص ٩٠.
[٢] - الشورى ١٢: ٤٢.