التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٤ - مزعومة الأشعري في الإلجاء
من يشاء بلا استحقاق موجب، لأنّه تعالى يفعل مايريد، ولا يُسأل عمّا يفعل وهميُسألون.
قال: إنّ اللّه هدى البعض إلى الإيمان ولطف به وأصلحه فكان مؤمنا، وأضلّ البعض ولم يلطف به ولم يصلحه فكان كافرا، ولو أصلحه ولطف به لكان مؤمنا، لكنّه تعالى أراد أن يكون هذا كافرا ومن ثمّ خذله وطبع على قلبه.
وتشبّث في ذلك بظواهر آيات تنسب إليه تعالى الهدى والضلال مطلقا «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». قال: الإيمان والكفر كلاهما من فعله تعالى يخلقهما في من يشاء من عباده، من شاء جعله مؤمنا، ومن شاء جعله كافرا. والخلاصة: إنّه فسّر الهداية- حيثما وردت في القرآن- بخلق الإيمان مباشرة أو القدرة عليه، ومن ثمّ فهي خاصّة بالمؤمنين وحدهم، لأنّهم هم الذين أراد منهم الإيمان، فأقدرهم عليه ووفّقهم له، دون غيرهم من الكفّار والمنافقين، ولو كان أراد من هؤلاء الإيمان أيضا لأقدرهم عليه لكنّه تعالى أراد أن يكونوا كافرين فلم يقدرهم على الإيمان.
وقال- في قوله تعالى: «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى»-[١]: إنّ الضمير في «فَهَدَيْناهُمْ» يعود على المؤمنين من قوم ثمود خاصّة، والضمير في «فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى» يعود على الكافرين منهم خاصّة. ليكون المعنى: إنّ اللّه هدى البعض من قوم ثمود إلى الإيمان وأقدرهم عليه فآمنوا، كما لم يهد غيرهم ولم يقدرهم فاستحبّوا العمى على الهدى وصاروا كافرين.
وقد تكلّم الأشعري في ذلك بإسهاب، في فصول عقدها من كتابه «الإبانة»[٢] وله مخاريق أفظع ذكرها في كتابه: «اللمع».[٣]
قال فيه بصدد بيان مسألة الكسب:
«فإن قال قائل: فهل اكتسب الإنسان الشيء على حقيقته، كفرا باطلًا، وإيمانا
[١] - فصّلت ١٧: ٤١.
[٢] - صفحات: ١٩- ٢٠ و ١٠٨- ١٣٠.
[٣] - صفحات: ٦٩ و ٧٣ و ٧٩ و ٨٨ و ٩٠ من اللمع.