التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - إضلال أم خذلان؟
وسار على رشد عقله، انقاد لهدى الشريعة وأطاع ربّه، ومن ثمّ أدركه توفيق ربّاني وانشرح صدره فبلغ الحقيقة والصواب بعنايته تعالى ولطفه الخاصّ.
أمّا إذا عاكس فطرته وخالف رشد عقله، فإنّه لايجيب إلى دعوة الأنبياء ولايمتثل تكليف ربّه، ومن ثمّ لم يستعدّ بنفسه لشمول نفحات قدسه تعالى، فأخطأه التوفيق وضاق صدره فلم ينل الاهتداء إلى الصواب، فكان قد حرّم سعادة الحياة في شقاء دائم.
وعليه فمعنى إضلاله تعالى لمن يشاء، هو خذلان عبده المتمرّد الطاغي، يتركه يعمه في ظلمات غيّه، جزاء متناسبا مع عناده وإصراره على الجهالة والطغيان. كسائرٍ على مزالق هاوية سحيقة، لايعرف درب النجاة وَغَمَتْه ظلمات السماء والأرض، فيناديه الدليل العارف: ناولني من يدك لأهديك سواء السبيل، واتّبعني أهدك صراطا سويا، لكنّه لسوء اختياره يترفّع بنفسه- علوّا واستكبارا- أن ينخرط مع سائر المهتدين أو يسير مع ركب المؤمنين «وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ».[١] «إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ ... قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ».[٢] «فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ».[٣]
هكذا أطاحوا بحظّهم وألقوا بأيديهم إلى التهلكة «فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ»،[٤] قال تعالى:
«سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ».[٥]
هذا هو إضلاله تعالى بمعنى خذلانه الطغاة وتركهم في ظلمات الغيّ يعمهون معاكسة طبيعية وحتمية مع اتّجاههم ذاك العاتي «وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ».[٦] «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
[١] - البقرة ١٣: ٢.
[٢] - الشعراء ١٠٦: ٢٦- ١١١.
[٣] - القمر ٢٤: ٥٤.
[٤] - الصف ٥: ٦١.
[٥] - الأعراف ١٤٦: ٧.
[٦] - غافر ٣١: ٤٠.