التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨١ - إضلال أم خذلان؟
درجات إلى قرب رضوانه تعالى، كلّما صلّت عليه امّته عبر الدهور، صلّى اللّه عليه أكمل صلاة وأرفع تحيّات، وعلى آله الميامين الأطهار.
ومن ذلك يتّضح لنا السبب في ترغيب وتكليف طلب الاهتداء عبر الساعات والأيّام، حيث تتواصل رحمة اللّه الواسعة، الشاملة لعباده المؤمنين عبر الدقائق والآنات.
وإذا لاحظنا من درجات النور المتصاعدة إلى الأقوى، واعتبرنا كلّ درجة لاحقة هي أشدّ تنوّرا من سابقتها، كانت الدرجة السابقة فاقدة لهذا المقدار الأشدّ وكانت هذه بنفس النسبة مظلمة بالإضافة إلى الدرجة اللاحقة ذات التنوير الأقوى- وهكذا درجات الهداية التي هي نور في حقيقتها- فحيثما يتدرّج العبد على مدارج الهداية صعودا إلى الأكمل، فإنّما هو ينتقل من درجة هي ضلال بالنسبة إلى تاليتها وظلمة انتقل عنها بتوفيق اللّه وهديه الخاصّ إلى نور هي درجة جديدة من نور هدايته تعالى.
وبهذا المعنى فسّرنا قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ»[١] حيث الفعل المضارع دلّ على استمرار وجودي لهذا الانتقال التدرّجي، وما ذاك إلّا عنايته تعالى بشأن المؤمنين من عباده، أخذا بأيديهم صعدا على مدارج الهداية والكمال، من نور هي ظلمة نسبيّة إلى أنور، سيرا تقدّميا مع الأبدية. أمّا الكافر العنود فإنّه في سير تقهقري، رجوعا من نور عقله وهدى فطرته إلى ظلمات الغي والجهالة المردية «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ».[٢] عصمنا اللّه من غواية النفس وأنقذنا من حبائل الشيطان، وهدانا إلى سبيل رشده هديا متواصلًا مع الأبد، آمين ربّ العالمين.
إضلال أم خذلان؟
تلك هدايته تعالى بالمعاني الخمسة المتقدّمة، منها ما كانت اختيارية، وهي المتوسّطة بين سابق (فطرة وعقل) ولا حق (توفيق وتسديد) فإذا ما لبّى العبد نداء فطرته
[١] - البقرة ٢٥٧: ٢.
[٢] - البقرة ٢٥٧: ٢.