التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨ - لماذا في القرآن متشابه؟
بما صرّح لهم. لأنّ الجمهور يرون من كلّ موجود هو المتخيّل المحسوس، وأنّ ما ليس بمتخيّل ولا محسوس فهو عَدَم عندهم.
فإذا قيل: إنّ هناك موجودا ليس بجسم، ولا فيه شيء ممّا يرونه لازم الجسمية، ارتفع عنهم التخيّل، وصار عندهم من قبيل المعدوم. ولا سيّما إذا قيل لهم: إنّه لا خارج العالم ولا داخله، ولا فوق ولا أسفل. ومن ثمّ لم يصرّح الشرع بأنّه ليس بجسم، وإنّما اكتفى بقوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».[١] وقوله: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ».[٢]
قال: وأنت إذا تأمّلت الشرع وجدته- مع أنّه قد ضرب للجمهور في هذه المعاني المثالات التي لم يمكنهم تصوّرها إلّا بذلك- قد نبّه العلماء على تلك المعاني بحقائقها.
فيجب أن يوقف عند حدّ الشرع في نهج التعليم الذي خصّ به صنفا صنفا من الناس، وأن لايخلط التعليمان فتفسد الحكمة الشرعية النبويّة. ولذلك قال صلى الله عليه و آله: «إنّا معشر الأنبياء امرنا أن ننزل النّاس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم».[٣]
وقد انتهج الإمام الرازي نفس المنهج، قال: والسبب الأقوى في هذا الباب: أنّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ جميعا. وطبائع العوامّ تنبو- في أكثر الأمر- عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوامّ- في أوّل الأمر- اثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيّز ولا مشار إليه، ظنّ أنّ هذا عدم ونفي فوقع التعطيل. فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما يناسب ما يتوهّمونه ويتخيّلونه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدلّ على الحقّ الصريح. فالقسم الأوّل- وهو الذي يخاطبون به في أوّل الأمر- يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني- وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر- هي المحكمات.[٤]
[١] - الشورى ١١: ٤٢.
[٢] - الأنعام ١٠٣: ٦.
[٣] - الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد، ص ٨٩ و ٩٦ و ٩٧ و ١٠٧.
[٤] - التفسير الكبير، ج ٧، ص ١٧٢ و هو خامس وجوه ذكرها بهذا الصدد.