التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٩ - مسألة الهداية والتوفيق
مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».[١] أي يخذل[٢] من أعرض عن ذكره، ويهدي من سعى إليه. إذ ليست مشيئته تعالى اعتباطا متنافيا لمقام حكمته عزّ شأنه، «وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ»،[٣] «وَمَا اللّهُ يُريدُ ظُلْما لِلْعالمين».[٤]
الخامسة: قدرة إيمانية عاصمة عن الخطل والزلل، وعن الخطأ والانحراف، هي عصمة ربّانية تتحلّى بها نفوس قدسية من عباد اللّه المصطفين الأخيار «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا، وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ».[٥] وهذا جزاء استقامتهم على هدى الفطرة وصبرهم في جنب اللّه «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً».[٦] ومن ثمّ فإنّ العصمة خاصّة بالأنبياء والأئمّة الأولياء، هداهم اللّه إليها جزاء بما صبروا، وجعلهم الأئمّة المقتدى بهم في الناس، حيث «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ».[٧]
قال تعالى: «وَ وَهَبْنا لَهُ (لإبراهيم) إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا، وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ، وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ، وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ، كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً، وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ- إلى قوله- أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ- إلى قوله- أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ».[٨]
وسنتكلّم عن مختلف جوانب هذه العصمة الرحمانية الخاصّة في فصل قادم إن شاء اللّه.
وهناك هداية اخرى هي: هداية إلجاء، لم يشأ اللّه- فيما عدا هدى الفطرة ونور العقل- أن يلجئ عباده عليها، ولا أن يكرههم على الطاعة والإيمان، حيث هذه الحياة
[١] - إبراهيم ٤: ١٤.
[٢] - وسنشرح- في فصل قادم- أنّ الإضلال من اللّه هو الخذلان بمعنى ترك المتمرّد ونفسَه، حيث أصرّ على العناد والاستكبار.
[٣] - الزمر ٧: ٣٩.
[٤] - آلعمران ١٠٨: ٣.
[٥] - فصّلت ٣٠: ٤١- ٣١.
[٦] - الجنّ ١٦: ٧٢.
[٧] - التحريم ٦: ٦٦.
[٨] - الأنعام ٨٤: ٦- ٩٠.