التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٧ - مسألة الهداية والتوفيق
الثالثة: نصب الدلائل وبعث الرسل وإنزال الكتب والشرائع، هداية خارجية تؤيّد تلك الهداية الباطنية، كما في الحديث الآنف.
«قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ، وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».[١]
وهذه الأنحاء الثلاثة من الهداية عامّة، شاملة لجميع المخلوقين. ولعامّة الناس على مختلف الأُمم والطوائف. «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً- بالإجابة والعمل- وَ إِمَّا كَفُوراً- بالإعراض والتولّي-».[٢] «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ».[٣] «وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ».[٤] «وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ».[٥] وقال تعالى مخاطبا لنبيّه الكريم صلى الله عليه و آله: «وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».[٦] وقال عن القرآن الحكيم: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ».[٧] والهداية- في أمثال الآيات- هداية بالدلالة والإرشاد، المصطلح عنه بالهداية التشريعية، التي هي وظيفة النبي صلى الله عليه و آله الواجبة عليه. أمّا الهداية التي ينفيها تعالى عن نبيّه صلى الله عليه و آله فهي من النوع الآتي، المصطلح عنها بالتكوينية. قال تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».[٨] وبذلك يرتفع التنافي بين هذه الآية وآية الشورى: ٥٢. كما يحصل بذلك التوفيق بين كثير من آيات كانت بظاهرها متخالفة، على ما سننبّه.
الرابعة: توفيق رحماني وتسديد للخُطى نحو الصواب، منحة إلهية خاصّة لُاولئك الساعين في سبل الاهتداء. «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ».[٩] «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ، وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ».[١٠] «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
[١] - المائدة ١٥: ٥- ١٦.
[٢] - الإنسان ٣: ٧٦.
[٣] - الأنبياء ٧٣: ٢١.
[٤] - الأعراف ١٨١: ٧.
[٥] - الأحزاب ٤: ٣٣.
[٦] - الشورى ٥٢: ٤٢.
[٧] - الإسراء ٩: ١٧.
[٨] - القصص ٥٦: ٢٨.
[٩] - التغابن ١١: ٦٤.
[١٠] - الزمر ١٨: ٣٩.