التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - مسألة الهداية والتوفيق
ولنختم الكلام بأصرح آية تقضي على مزعومة الجبر نهائيا، وتنسب أفعال العباد وما يترتّب عليها من تبعات ومضاعفات إلى أنفسهم. وهي في نفس الوقت تبكيتٌ قاطع ومكافحة صارمة في وجه أمثال الأشعري ممّن يجادلون في اللّه بغير علم، ويحاولون تحريف الكلم عن مواضعه زورا وبهتانا.
قال تعالى: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ. ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ. ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ[١] وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ».[٢]
مسألة الهداية والتوفيق
أصل الهداية: الدلالة والإرشاد،[٣] غير أنّ أنحاء الدلالة تختلف حسب نوعيّتها ومرتبتها في التأثير والبلوغ. فمن دلّ غيره على طريق يؤدّي إلى مقصده فقد هداه، كما أنّ الذي أخذ بيده وأوصله إلى مطلوبه أيضا هداه. ففي الأوّل يحتمل الضلال، والثاني لايحتمله. فقوله تعالى: «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى»،[٤] هداية من النوع الأوّل. وقوله تعالى: «وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ»[٥] هداية من النوع الثاني. وقد استعملت «الهداية» في القرآن على أنحاء ودرجات، نلخّصها فيما يلي:
الأُولى: هداية فطرية مرتكزة في جبلّة الأشياء، سواء أكان حيوانا أم نباتا أم جمادا. إذ ما من موجود إلّا وهو يهتدي- اهتداءذاتيا- إلى طرق الصلاح والفساد، ممّا يتلائم وطبعه فيسعى في جلبه، أو ينافره طبعُه فيقوم في وجهه، بدافع من فطرته التي فطره اللّه
[١] - انظر إلى هذا التعبير الذي لايحتمل أيّ التباس في أنّ العباد هم فاعلون لأعمالهم إن حسنة وإن سيّئة.
[٢] - الحج ٨: ٢٢- ١٠.
[٣] - كما في قوله تعالى:« فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ» الصافات ٢٣: ٣٧. وقوله:« أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- أي بالاهتداء بالنجوم-» النمل ٦٣: ٢٧، كما في قوله:« وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ» الأنعام ٩٧: ٦.
[٤] - فصّلت ١٧: ٤١.
[٥] - الزمر ٣٧: ٣٩.