التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٤ - حل شبهات المجبرة
وقد قال هذا القول الشنيع تبريرا لمذهبه الباطل، أنّ أفعال العباد منسوبة إلى اللّه لاتأثير لإرادتهم ولا لقدرتهم في تحقّقها. فهو تعالى أراد ظلم الظالمين وعبث الفاسدين!!
لكن ذهب عنه أو لم يستطع فهم هذه الحقيقة: أنّ اللّه تعالى وإن كان قد أقدر الظالم على ظلمه، وجعل له الاختيار فيما يريد فعله، لحكمة التكليف والاختبار لكنّه تعالى لم يرد هذا الظلم بإرادته التشريعية، حيث نهاه ونهره عن الظلم والفساد فكيف يجبره- بما يخرج عن استطاعته- على الظلم والعصيان؟!
٣٥- ولاندري كيف جاز لهم تفسير الخلق بالتقدير في آيتي المائدة: ١١٠. والمؤمنون: ١٤. ونسوه فيما دلّ على أنّه تعاليخالق أفعال العباد «خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»؟!
وقد تقدّم[١] أنّ الخلق في قوله «أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»، وقوله «تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ» بمعنى الصنع والإحداث باعتبار أنّ العباد- فيما يصنعون- هم موجدون لشرائط الحدوث والتحقّق بفعل القوى تجاذبا مع بعضها. وبذلك صحّ إطلاق الخالق- بمعنى الصانع للشيء- عليهم.
٣٦- وجوابهم- عن اعتراض لزوم الجبر، بأنّه تعالى أراد منهما الكفر والفسوق عن اختيارهما- كلام فارغ لامحصّل له، إذ كيف يريد تعالى منهم الكفر بإرادته التكوينية التي لاتتخلّف عن المراد، وتكون علّة تامّة لتحقّق المراد، ثمّ ينسب ذلك إلى اختيارهم، ولا اختيار لهم- مساكين!- إلى جنب سلطان إرادة اللّه القديمة، حسبما زعموا!!
وأيّ معنى لإرادة العباد إلى جنب إرادة اللّه إذا لم يكن لإرادة العبد تأثير في تحقّق المراد، كما لاتأثير للعلم في تحقّق المعلوم، حسب تصريح الأشعري؟!
والغريب: أنّهم قاسوا إرادته تعالى المتعلّقة بأفعال العباد بعلمه تعالى المتعلّق بها؟! إذ لو كانت إرادته كعلمه، كانت لا تأثير لها كما لاتأثير للعلم. وهم إنّما يرون أنّ كلّ التأثير لإرادته تعالى، تحقيقا لقانون «لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه». وينفون أيّ تأثير لإرادة العباد، فكيف هذا التناقض المفضوح؟!
[١] - راجع« مسألة الأمر بين الأمرين» و« حلّ شبهات المجبّرة برقم ٢٢».