التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٣ - حل شبهات المجبرة
برقم: ٣٣. وقد شنعوا عليه هذا التأويل الذي لايعدو تحريفا ظاهرا لامبرّر له سوى قلّة الورع وعدم المبالاة بالدين.
وقد جاء مثل التعبيرين في قصّة موسى عليه السلام، قال تعالى: «فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ. وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ».[١] فقال تعالى مكذّبا لهم في ذلك: «وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».[٢] فبيّن أنّه تعالى هو الذي يفعل الأمرين بلاء ومصلحة، لكي يرجع العاصي ويقتلع عن كفره ومعصيته.
وتفسيرهما الصحيح: أنّ الحسنة هنا: الرخاء ووفور النعم. والسيّئة: الجدب والقحط والبلايا. فكلتاهما من عند اللّه ابتلاء لعباده بالنعم شكرا أم كفرانا؟ وبالبلايا ارعواء أم زيادة طغيان؟ وقد تكون النعم تفضّلًا ومزيدا في الإحسان جزاء لشكرهم «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».[٣] وتكون البلايا نقمة وعقابا «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ».[٤] «فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَ لكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ».[٥]
فالسيّئة- كالحسنة- نازلة من عند اللّه لحكمة الرجوع إلى الرشد والإرعواء عن الباطل لطفا، أو نكالًا وعقابا على المرود والطغيان. غير أنّ السبب الموجب لنزول البلاء عليهم هم أنفسهم جزاء بما كسبوا.
وبهذا يجمع بين قوله- بشأن الحسنة والسيئة-: «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ». وقوله- بشأن السيئة-: «فَمِنْ نَفْسِكَ». نعم كانت الحسنة (النعم والرخاء) تفضّلا من اللّه محضا، حيث لا استحقاق ذاتيا للجزاء على الحسنات إلّا ما وعد اللّه من المثوبة والإحسان والتفضّل والرضوان.
٣٤- وما أقبح قول الأشعري: أنّه تعالى لم يرد أن يظلم العباد بنفسه وإن كان قد أراد أن يظلم بعضهم بعضا!!
[١] - الأعراف ١٣١: ٧.
[٢] - الأعراف ١٦٨: ٧.
[٣] - إبراهيم ٧: ١٤.
[٤] - الأعراف ٩٦: ٧.
[٥] - الأنعام ٤٣: ٦.