التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧ - لماذا في القرآن متشابه؟
في الأقلّ من الآيات لأقلّ الناس، وهي الآيات الّتي تضمّنت الإعلام عن الأشياء المتغيّبة عن الحسّ، ليس لها مثال في المحسوس، فجاء التعبير عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إلى تلك الغائبات، وأكثرها شبها بها. فربّما عرض لبعض الناس أن يأخذ بالمثال ذاته لتلزمه الحيرة والشكّ.
وهذا هو الذي سمّي في الشرع متشابها. الأمر الذي لا يعرض للعلماء ولا للجمهور، لأنّ هؤلاء هم الأصحّاء الذين يلائمهم الغذاء النافع الذي يوافق أبدان الأصحّاء. أمّا غير هذين الصنفين فمرضى، والمرضى هم الأقلّ في الناس، ولذلك قال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ».[١] وهؤلاء هم أهل الجدل والمذاهب الكلاميّة.
قال: وقد سلك الشرع في تعاليمه وبرامجه الناجحة مسلكا ينتفع به الجمهور ويخضع له العلماء، ومن ثمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصنفين: الجمهور يأخذون بظاهر المثال، فيتصوّرون عن الممثّل له ما يشاكل الممثّل به، ويقتنعون بذلك. والعلماء يعرفون الحقيقة التي جاءت في طيّ المثال.
مثلًا: لمّا كان أرفع الموجودات في الحس هو النور ضرب به المثال، وبهذا النحو من التصوّر أمكن للجمهور أن يفهموا من الموجودات فيما وراء الحس، ممّا مثّل لهم بأُمور متخيّلة محسوسة. فمتى أخذ الشرع في أوصاف اللّه تعالى على ظاهرها، لم تعرض للجمهور شك في ذلك. فإذا قيل: اللّه نور، وأنّ له حجابا من نور، وأنّ المؤمنين يرونه في الآخرة كالشمس في رائعة النهار، لم تعرض للجمهور شبهة في حقيقة هذه التعابير.
وكذلك العلماء لا تعرض لهم شبهة في ذلك، حيث قد تبرهن عندهم أنّ تلك الحالة هي مزيد علم ويقين. لكن إذا ما صرّح بذلك للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلّها وربّما كفروا
[١] - آلعمران ٧: ٣.