التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - حل شبهات المجبرة
«وأصل الخلق: التقدير. ومنه قيل: خالقة الأديم».
قال القاضي: ولذلك قال الشاعر:[١]
|
ولأنت تفري ما خلقت |
وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفري[٢] |
|
قال: ومتى حمل الكلام على هذا الوجه كان حقيقته: أنّه تعالى قد قدّر أفعال العباد ودبّرها وبيّن أحوالها. فكان الخلق خلق تدبير لاخلق إيجاد وإحداث.
قلت: حتى ولو كان بمعنى الإحداث والإيجاد، صحّ أيضا على ما بيّنا من صحّة إضافة الإحداث والمولدات إليه تعالى حقيقة، وإن كان الفاعل لها غيره باعتبار خلق الجوّ الملائم لذلك التفاعل والتماسك الطبيعي العام.
قال: ووجه آخر: أنّ هذه اللفظة ليست للتعميم، كقول القائل: أكلت من كلّ شيء، وتحدّثنا بكلّ شيء، وفعلت كلّ شيء. وقد قال تعالى: «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ».[٣] وقال: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ».[٤] وقال: «تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها».[٥] وقال: «يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ».[٦] إلى غيرهن من آيات. حيث المقصد بذلك هي المبالغة في الكثير من ذلك النوع المذكور.[٧]
وروى الصدوق في الخصال عن الإمام الباقر عليه السلام وكذا في عيون الأخبار عن الإمام الرضا عليه السلام: «إنّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لاخلق تكوين. واللّه خالق كلّ شيء، ولا نقول بالجبر والتفويض».[٨]
وأيضا فإنّ الآية بذاتها تعبير صريح عن هذا المعنى، قال تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ذلِكُمُ
[١] - هو زهير بن أبيسلمى. راجع: ديوان زهير، ص ٥٤، ط دار الكتب؛ ولسان العرب؛ وشرح الاصول الخمسة، ص ٣٨٠.
[٢] - قال ابنمنظور في معنى البيت: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر مالا يقطعه، لأنّه ليس بماضي العزم، وأنت مضّاء على ما عزمت عليه. لسان العرب، ج ٣، ص ٨٧.
[٣] - النحل ٨٩: ١٦.
[٤] - الأنعام ٣٨: ٦.
[٥] - الأحقاف ٢٥: ٤٦.
[٦] - القصص ٥٧: ٢٨.
[٧] - متشابه القرآن للقاضي، ج ١، ص ٢٥١- ٢٥٤.
[٨] - الصافي في تفسير القرآن، ج ١، ص ٥٣٦ نقلًا عن الخصال وعيون أخبار الرضا عليه السلام.