التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - اختيارية الإرادة
اختيارية الإرادة
قالوا: دليل اختيارية كلّ عمل هو أن يصدر عن إرادة فاعله وعن اختياره الخاصّ فلا يوصف عمل بالاختيارية إلّا إذا سبقته إرادة، فرقا بينه وبين الآثار المتولّدة من أشياء لا إرادة لها ولا اختيار في التوليد.
وعليه فقد يستشكل في نفس الإرادة، هل هي اختيارية أم غير اختيارية، نظرا لأنّها لوكانت اختيارية لوجب أن تسبقها إرادة اخرى، وهذا يتسلسل إلى غير نهاية، ومن ثمّ أنكر بعض المتفلسفين أن تكون الإرادة بنفسها اختيارية، وإن كانت هي السبب لاختيارية سائر الأفعال الاختيارية.[١] وبذلك ربما انتقضت القاعدة المعروفة «فاقد الشيء لايعطي»!
قلت: كلّ ما بالغير لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات، وإلّا لتسلسلت حلقات الحاجة والافتقار. فاختيارية كلّ عمل إنّما هي بمسبوقيّته بإرادة الفاعل المختار، والإرادة هي التي تكسبه وصف الاختيارية. هذا صحيح، غير أنّ نفس الإرادة توصف بالاختيارية ذاتا، لابسبب غير ذاتها. كما أنّ ملوحة الأشياء مكتسبة من الملح، أمّا ملوحة الملح فذاتية له، وكذا تنوّر الأشياء بالنور، وتنوّر النور ذاتي. وهكذا الإرادة بذاتها اختيارية، وأمّا سائر الأفعال فإنّما تكون اختيارية إذا كانت تحت الاختيار، وكانت تصدر عن إرادة الفاعل المختار.
وأيضا فإنّ معنى اختيارية الأفعال الاختيارية- على ما أسلفنا- أنّها تتحقّق بإذن اللّه وإرادته لأن توجد عند إرادة فاعليها واختيارهم الخاصّ. أمّا نفس الإرادة والاختيار من العباد فإنّهم مستقلّون فيها عند تحقّق مباديها، من تصوّر العمل وفائدتهوالشوق إليها وما إلى ذلك. فالإرادة من العباد إنّما تتحقّق بتكوين نفسي منهم، وتنبعث بذاتها من داخل كيانهم وباطن وجودهم بالذات، وليست معلولة لشيء آخر، من قبيل جوهر النفس
[١] - راجع: كفاية الاصول، للمحقّق الخراساني، بحث الطلب والإرادة، ج ١، ص ١٠٠.