التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - مسألة الأمر بين الأمرين
عليها في آن لانعدمت من فورها. بداهة استحالة بقاء الممكن بالذات (وهو المفتقر في وجوده إلى مبدأ يفيض عليه الوجود حدوثا وبقاءً) بدون تلك الإفاضة المستمرّة.
نظير وجود النور داخل الزجاجة الكهربائية، تشعّ به مادامت الطاقة الكهربائية تتّصل إليها من مركز التوليد عبر الأسلاك، لايمكن تحقّق هذا الوجود النوري- داخل الزجاجة- حدوثا وبقاء إلّا باستمرار ذلك الاتّصال المفاض عليها من المركز ومتى ماانقطعت تلك الإفاضة أو انقطع السلك، فإنّ النور ينقطع في آنه.
وحينئذٍ لوفرضنا أنّ إنسانا وضع يده على زرّ الكهرباء، كانت إنارة الزجاجة واقعة تحت اختياره بالمباشرة، إن شاء ضغط على الزرّ فتتنوّر الزجاجة، وإن شاء رفع يده فتنطفي. وصحّت نسبة إنارة الغرفة وإظلامها إليه بنفس هذا الاعتبار، وإن كان حظّه من ذلك هو نفس القطع والوصل لا أكثر. وهكذا حظّ الإنسان في إحداث مايريد من أعمال وإيجادها، فتدبّر جيدا.[١]
وبعد، فقد تبيّن- في ضوء ما قدّمنا- صحّة إسناد حدوث جميع المحدثات إلى اللّه سبحانه، وإطلاق القول بأن لاخالق إلّا اللّه ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه. إذ ترجع جميع القوى في تأثيراتها إلى إمداد فيضه تعالى باستمرار.
كما صحّت نسبة الأفعال الاختيارية إلى فاعليها وإرادتهم الخاصّة، بما أوجدوا من جوّ صالح لذلك التفاعل الطبيعي والتأثيرات والتأثّرات.
من ثمّ فإنّمضاعفات الأعمالالسيّئة تعود إلى مرتكبيها بالذات، حيث استخدموا من القوى الصالحة، في سبيل العبث والفساد.
وأمّا نتائج الأعمال الحسنة فإنّ القسط الأكبر من فضلها يعود إلى اللّه سبحانه، نظرا لإعداده سبل الخير والسلام وإقداره العباد على الاستفادة منها والاستخدام. فكان حقّا توجيه المحامد كلّها إلى اللّه «سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ».[٢] «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ».[٣]
[١] - راجع: محاضرات في أُصول الفقه، ج ٢، ص ٩١.
[٢] - الزخرف ١٣: ٤٣.
[٣] - الأعراف ٤٣: ٧.