التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٧ - مسألة الأمر بين الأمرين
تعالى- بشأن تأثير سحر السحرة-: «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ».[١] حيث الساحر يسخر خواصّ الأشياء في سحره، لكن هذه الخواصّ ممّا أودعها اللّه في ذوات الأشياء، إن لم يشأ لم يمدّها فينقطع أثرها، غير أنّ سنّته تعالى جرت في إمداد القوى وإن كانت مستخدمة في تأثير الفساد في الأرض. وهكذا قوله تعالى:
«وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ».[٢] وقوله: «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها».[٣]
حتّى أنّه تعالى ليضيف فعل العباد إلى إذنه «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي»[٤] حيث خاصية تشكّل الطين وتماسك أجزاءه، ممّا أودعها اللّه في الطين ولم يزل يمدّه بهذه الخاصية أبديا ولم يكن من عيسى عليه السلام سوى جعل أجزاء الطين على بعضها في نسبة معيّنة، أمّا نفس التماسك فكان بفعل اللّه، كما أنّ نفس عمل عيسى- أيضا- كان بإقداره تعالى وإفاضته القدرة عليه آنذاك، ومن ثمّ كان جميع ما وقع إنّما وقع بإذن اللّه.
وأقرب ما يمثّل هذه القاعدة في مثل المقام، إنّك إذا عرضت يدك للنار، فإنّها تحترق. ولكن هذا الاحتراق لايكون إلّا بإذن اللّه، فاللّه هو الذي أودع النار خاصية الحرق، ولايزال يمدّها بتلك الخاصية، كما أودع يدك خاصية الاحتراق بالنار. ولا يزال يمدّها بتلك الخاصية، وهو قادر على أن يوقف تلك الخاصية حين لايمدّها ولا يأذن، لحكمة خاصّة يريدها، كما فعل في قصّة ذبح إسماعيل، سلب السكّين خاصية القطع، وسلب حلقوم إسماعيل خاصية الانقطاع، أي لم يمدّهما في هذه الخاصية فلم يأذن لهما في القطع والانقطاع، فلم يتحقّق الذبح.
ومثال آخر تمثّل به سيدنا الأُستاذ قدسسره قال: إنّ الأشياء (الممكنة بالذات) كما تفتقر في حدوثها إلى إفاضة المبدأ تعالى، كذلك في بقائها- الذي هو حدوث في آن ثان- فلابدّ في بقائها واستمرارها من استمرار إفاضة الوجود عليها من المبدأ تعالى. فلو انقطعت الإفاضة
[١] - البقرة ١٠٢: ٢.
[٢] - الأعراف ٥٨: ٧.
[٣] - إبراهيم ٢٤: ١٤- ٢٥.
[٤] - المائدة ١١٠: ٥.