التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥ - هل في القرآن متشابه؟
أمّا الإحكام في سورة هود، فيعني الإتقان والسَّداد، حيث القرآن ذو أساس مكين لا يتضعضع، وذو مشعل وضّاء لا ينطفيء مع الأبديّة، قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[١]
وسنعرض فيما يأتي أنّ من الآي المتشابهة ما هي متشابهة بالذات، وإنّما يعرف الرّاسخون في العلم تأويلها الصحيح، بفضل جهودهم وتعمّقهم في أغوار هذا الدين، ليستنبطوا من كنوزه المستورة لئالي وهّاجة تبهر العقول.
وحاول بعضهم في اتّجاه معاكس، زاعما أنّ جميع آي القرآن متشابهة، ومن ثمّ لايجوز مسّها إلّا بدلالة نصّ معصوم. وبذلك أسقط ظواهر الكتاب عن صلاحية الاستدلال بها أو الاستنباط منها لحكم شرعي، نظرا لقوله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً»[٢] وبما ورد: «إنّما يعرف القرآن من خوطب به».[٣]
وهذا قصور وجفاء، حيث يقول تعالى: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها».[٤] وقال رسولاللّه صلى الله عليه و آله: «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن»[٥] كيف الرجوع إلى القرآن لوضح الملتبسات إذا كان هو ملتبسا؟ وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور». وقد ورد- أيضا- «إنّ القرآن فيه تفصيل وبيان وتحصيل» و «هو الفصل ليس بالهزل»، «ظاهره أنيق وباطنه عميق»، «ظاهره حكم وباطنه علم» على ما تقدّم بيانه.[٦]
أمّا آية الزمر فتعني تناسق آي القرآن في الإجادة والإيفاء وقوّة التعبير، «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً».[٧]
[١] - الحجر ٩: ١٥.
[٢] - الزمر ٢٣: ٣٩.
[٣] - تفسير البرهان للمحدّث البحراني، ج ١، ص ١٨.
[٤] - محمّد ٢٤: ٤٧.
[٥] - اصول الكافي، ج ٢، كتاب فضل القرآن، ص ٥٩٨، ح ٢.
[٦] - الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف، ج ٢، ص ٥٩٩- ٦٠٠.
[٧] - النساء ٨٢: ٤.