التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٢ - الأفعال الاختيارية
والخلاصة: أنّ هناك أفعالًا اختيارية تصدر من الفاعل المختار حسب إرادته واختياره، يكون هو المسؤول عنها، تحسينا أو تقبيحا، مدحا أو ذمّا، ثوابا أو عقابا. ولايسأل عنها غيره بتاتا. لايؤخذ الجار بذنب الجار. ولا تزر وازرة وزر اخرى، ومضاعفات كلّ عمل إنّما ترجع على العامل وتستند إليه تبعاته من خير أو شرّ، صلاح أو فساد، حقّ أو باطل.
هذا ماتشهد به ضرورة العقل وبداهة الوجدان، وعليه صحّ التكليف والتشريع وبعث الرسل وإنزال الكتب، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والمثوبة والعقوبة وما إليها، وإلّا لغي التكليف وبطل التشريع والبعث والزجر، ولم يكن موقع لتحسين أو تقبيح ولا استحقاق جزاء. ولأصبح تحسين المحسن على إحسانه عبثا كمدح الجميل على حسن صورته. وهكذا لغي ذمّ المسيء على إسائته كذمّ الدميم على قبح منظره وقدح القصير على قصر قامته أو الأعرج على عرج رجله.
ولنتساءل الأشاعرة: هل تجدون من أنفسكم الفرق بين جود الكريم وصفاء اللؤلؤ؟ أو شحّ البخيل وسواد الفحم؟ فإن قالوا: نعم، سألناهم فإلى من يرجع مدح الجود إذا جاد الكريم، وإلى من يعود ذمّ الشحّ إذا بخل البخيل؟ فإن قالوا: إلى اللّه قلنا: فلم يكن فرق بين الكريم واللئيم إذا كان كرم ذاك ولؤم هذا كلاهما من عند اللّه، غير داخلين تحت اختيارهما وإرادتهما، وبالتالي لم يكن فرق بين كرم الكريم وصفاء اللؤلؤ، أو بين شحّ البخيل وسواد الفحم، فقد نقضتم ما اعترفتم به أوّلًا!
وقد دلّ صريح القرآن في محكمات آياته الكريمة على صحّة ما شهدت به العقول واعترفت به العقلاء، وذلك جميع الآيات التي جاء فيها ذكر الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والتكليف والتشريع، والمثوبة والجزاء، والدعوة إلى الإيمان والخروج عن طاعة الشيطان، ومدح المؤمنين وذمّ الكفار والمنافقين. وهي تشكّل غالبية آي القرآن الكريم ولنذكر منها شواهد:
١- قال تعالى: «أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَ أَنَّ سَعْيَهُ