التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - الأفعال الاختيارية
ونحن- في هذا العرض- نقدّم فصولًا نبحث خلالها عن مسائل: «الاختيار» و «الإرادة» و «الأمر بين الأمرين» وعن نسبة مابين قدرة العبد وقدرته تعالى. وعن السرّ في إضافة الأفعال والمولدات إليه سبحانه، وما إلى ذلك من بحوث لها صلة بالموضوع، وأخيرا نتعرّج إلى شبهات أهل الجبر وحلّ متشابهات آيات تشبّثوا بها في هذا المجال، وتخريج تأويلها الصحيح إن شاء اللّه تعالى، ومنه التوفيق.
الأفعال الاختيارية
أمّا أهل العدل والتنزيه فوقفوا من مسألة «الاستطاعة» موقفا نزيها، وقدّسوا ساحة قدسه تعالى أجمل تقديس، في هدى العقل الرشيد ومحكمات الآيات والآثار الصحيحة.
قالوا: إنّ اللّه خلق الخلائق لاشريك له في الخلق، ولا خالق سواه، وركّب في كلّ مخلوق صفة وجعل لكلّ موجود أثرا، وجعل من أوصاف الأشياء وآثارها نوعين، منها مايصدر عنها صدورا لاباختيارها ولا هي مقيّدة بإرادتها، كطلوع الشمس وإشراقها، ونبت الشجر وأثماره. ومنها ما يصدر عنها صدورا تحت اختيارها ومقيّدة بإرادتها، كمشي الدابّة ووقوفها وطلبها للحشائش وأكلها.
قالوا: هناك فرق ضروري بين حركة يد المرتعش الحادثة لاعن اختياره، وتحريك اليد لتناول الطعام والشراب، المنضبط تحت الاختيار. كالفرق بين التنفّس والتكلّم، وهكذا بين نبات الشعر وحلقه، الأوّل لا اختياري والثاني اختياري.
والفعل الاختياري هو ما إذا شاء الإنسان فعله أو شاء تركه، الأمر الذي يجده الإنسان في صميم فطرته فارقا بين الأمرين بديهيا لاغبار عليه.
كما يجد الإنسان من نفسه الفرق بين تعلّق الإرادة بالعمل الذي يريده، وتعلّق العلم به. حيث لا أثر للعلم في تحقّق المعلوم، أمّا الإرادة فهي الباعثة على تحقّق المراد. وكذا القدرة على عمل هي التي جعلته تحت اختياره إن شاء فعله أو تركه، ولا هكذا أثر للعلم بالنسبة إلى المعلوم.