التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٨ - العين
التشريف والاعتبار، لا لأنّه مكانه الخاصّ أو أنّه تعالى حالّ فيه جلّ شأنه. فهكذا اقتضت المصلحة تحويل هذا الاتّجاه العبادي إلى الكعبة وهو بيت اللّه العتيق، له نسبة تشريفية قديمة إليه تعالى، لا لشيء آخر سواه. «وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ».[١]
فقوله: «فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» يعني: أينما اتّجهتم في عباداتكم فثمّ اتّجاه إلى اللّه تعالى، لأنّه هو المقصود بالعبادة الخالصة لوجهه الكريم. وإنّما جاء الأمر باتّجاه خاصّ، لمصلحة في ذلك، ربّما كانت وحدة الاتّجاه العبادي لجميع المسلمين في عامّة عباداتهم، الأمر الذي كان يشدّ من وحدتهم في سائر الأُمور.
وقال تعالى: «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً»،[٢] أي لقصده، وأن ليس المقصود من هذا الإحسان سوى التقرّب والزلفى لديه تعالى، فهو المقصود بالذات لا المكافئة ولا الثناء. وهكذا قوله: «وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ»[٣] أي كانت خالصة للّه. إلى غيرها من آيات نظائر. والوجه بمعنى القصد كثير في القرآن وفي الشعر. قال تعالى: «وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ»[٤] أي أخلص قصده إلى اللّه. وأنشد الفرّاء:
|
أستغفر اللّه ذنبا لستُ مُحصِيَه |
ربَّ العباد إليه الوجهُ والعمل |
|
أي إليه القصد والعمل. وغيره من أشعار استشهد بها الشريف المرتضى لبيان أوجه المعاني المقصودة من «الوجه» في الاستعمال، وقد استوفى البحث حقّه، فراجع.[٥]
العين
ذكر العين- مضافة إليه تعالى- في القرآن في خمسة مواضع، أحدها مفردة في سورة طه: «وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي».[٦] خطابا مع موسى عليه السلام. والباقي جمعا:
[١] - البقرة ١٤٣: ٢.
[٢] - الإنسان ٩: ٧٦.
[٣] - الروم ٣٩: ٣٠.
[٤] - النساء ١٢٥: ٤.
[٥] - الأمالي، ج ١، ص ٥٩٠- ٥٩٣، المجلس ٤٥.
[٦] - طه ٣٩: ٢٠.