التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٦ - الفوقية
فأجيبوا داعي اللّه واطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإنّه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض، وهي الساعة التي يقسم اللّه فيها الرزق بين عباده».[١]
٢٢- والفواصل المأثورة لتحديد مابين أجرام السماء، كلّها تقريبية حسب أفهام البسطاء ذلك العهد، كما أُثر عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه سئل عن مسافة مابين المشرق والمغرب، فقال: مسيرة يوم للشمس. وسئل: كيف يحاسب اللّه الناس على كثرتهم؟ فقال: كما يرزقهم على كثرتهم. فقيل: وكيف يحاسبهم ولايرونه؟ فقال: كما يرزقهم ولايرونه. وسئل: كم بين السماءوالأرض؟ فقال: مدّ البصر ودعوة المظلوم.[٢]
وهذا الإجمال المقنع لأفهام العامّة في كلام الإمام عليه السلام أبعد عن التمويه والدجل الذي جاء في كلام غيره من تحديدات مقياسية لا أصل لها ولاتوصّلت إليها آراء علماء الفلك آنذاك فكيف بعرب الجزيرة الجاهلة.
٢٣- وقوله: «بين يدي الرّبّ» أي بين يدي حكمه وقضائه.
٢٤- وحديث «الأمة السوداء» يعني شيئا آخر غير ما ظنّه الأشعري وأتباعه، وذلك: أنّ العرب يومذاك كانت تعبد أوثانا هم نحتوها بأيديهم من أحجار وأخشاب، وكانوا يزعمونها آلهة في الأرض تمثّل إله السماء، «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى»[٣] فلمّا جاء الإسلام وأمر بنبذ الآلهة غير اللّه، أصبح عنوان التوحيد هو الاعتراف بإله السماء، ونبذ آلهة الأرض، كناية عن الاعتقاد باللّه إلها واحدا لاشريك له ولانظير ولامثيل، فإذا قال إنسان: إنّي لا أعبد سوى الإله الذي في السماء اعتبر- ذلك اليوم- موحّدا، بالنظر إلى هذا المعنى، أي بالنظر إلى جانب سلب القضية، وهو نفي آلهة الأرض المزعومة، لا إثبات كون الإله في السماء مكانا له بالخصوص، وقد قال تعالى- إشارة إلى هذا المعنى-: «وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ».[٤] فهو إله الأرض والسّماء جميعا «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ
[١] - الخصال للصدوق، ص ٦١٥- ٦١٦، من حديث الأربعمائة.
[٢] - قضاء أميرالمؤمنين للتستري، ص ١٨٩- ١٩٠؛ ونهج البلاغة باب قصار كلماته، ص ٥٢٧، رقم ٢٩٤ و ص ٥٢٨، رقم ٣٠٠؛ وكتاب الغارات للثقفي.
[٣] - الزمر ٣: ٣٩.
[٤] - الزخرف ٨٤: ٤٣.