التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١١ - الفوقية
٢- وقوله: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»،[١] فإنّه صعود ورفع معنوي، لاحسّي، أي الأعمال الحسنة ترتفع من هذا العالم المادي، لتنقلب درجات في عالم آخر لامادي هو فوق هذا العالم شأنا ورفعة.
٣- وقوله: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ»[٢] يعني الرفع المعنوي، وتخليصه من شرور هذه الحياة السفلى الكدرة، إلى حياة عليا كريمة، كما جاء في سورة آلعمران ٥٥: ٣ «وَ رافِعُكَ إِلَيَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا». وكقوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ».[٣] وقوله في شأن إدريس عليه السلام: «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا».[٤] وقوله بشأن الشهداء في سبيل اللّه: «أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ».[٥] وغيرها من نظائر كثيرة كان المقصود فيها من التعبير ب- «عند اللّه» أو «الرفع إليه» هو شرف القرب والرفع المعنوي، لا القرب المكاني والصعود الحسّي.
٤- وقوله: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ»،[٦] هذه الآية عبارة أُخرى عن قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»،[٧] فالسماء والأرض أُخذتا هنا كناية عن عالم العلو اللامادي وعالم السفل المادي، وأنّ تدابير هذه الحياة إنّما تتّخذ في عالم أعلى من عند ربّنا عزّوجلّ. ومن ثمّ عقّبها بقوله:
«ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ».[٨]
٥- وقوله: «فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى»:[٩] ليس فيه دلالة على أنّ موسى عليه السلام قال له: «اللّه فوق السّماوات»، فلعلّه هو توهّم ذلك، إذ لم ير في الأرض من يصلح أن يكون الإله الذي يدّعيه موسى عليه السلام فتوهّمه موجودا جسمانيا في إحدى طبقات الجوّ. أو نفرض أنّ موسى عليه السلام قال له ذلك، لكنّه لقصور فهمه زعم من السماء طبقة جوّية كانت مسكن إله
[١] - فاطر ١٠: ٣٥.
[٢] - النساء ١٥٨: ٤.
[٣] - آلعمران ٥٥: ٣.
[٤] - مريم ٥٧: ١٩.
[٥] - آلعمران ١٦٩: ٣.
[٦] - السجدة ٥: ٣٢.
[٧] - الحجر ٢١: ١٥.
[٨] - السجدة ٦: ٣٢- ٧.
[٩] - غافر ٣٧: ٤٠.