التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - الاستواء
تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»[١] يعني: أنّ تدبيره تعالى قبل خلق السماوات والأرض لم يكن قد تعلّق بشيء سوى الماء. إذ لم يكن في عالم الطبيعة يومذاك موجود ولا معلوم سوى الماء، لأنّ أوّل شيء خلقه اللّه من الماديات هو الماء كما في الأثر.[٢]
قال أبوجعفر الطبري: «وأمّا الذي يدلّ على صحّته، ظاهر القرآن فقول ابنعباس الذي رواه جعفر بن أبيالمغيرة، عن سعيد بنجبير عنه أنّه قال: هو علمه وذلك لدلالة قوله تعالى «وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما» على أنّ ذلك كذلك، فأخبر أنّه لايؤده حفظ ماعلم وأحاط به ممّا في السّماوات والأرض. وكما أخبر عن ملائكته أنّهم قالوا في دعائهم: «رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً»[٣] فأخبر أنّ علمه وسع كلّ شيء، فكذلك قوله: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ».[٤]
الاستواء
والاستواء هو التمكّن والاستيلاء التامّ، دون الجلوس كما زعمت المجسّمة، كقول الأخطل يمدح بشرا أخا عبدالملك بنمروان حين وُلّي على إمرة العراقين:
|
قد استوى بشر على العراق |
من غير سيف ودم مهراق[٥] |
|
وجاء بمعنى استقامة الأمر أيضا، كما قال الطرماح بنحكيم:
|
طال على رسم مهدد أبده |
وعفا واستوى به بلده[٦] |
|
وهكذا جاء بمعنى عمد وقصد، كقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ».[٧] وكلّما جاء ذكر «الاستواء على العرش» في القرآن، إنّما يعنى الاستيلاء التامّ بتدبير شؤون العالم، بعد أن كان «العرش» كناية عن مجموع الخلق، كما جاء في تعبير الصدوق رحمه الله.[٨]
[١] - هود ٧: ١١.
[٢] - راجع: بحار الأنوار، ج ١، ص ١٠٢ و ج ٥٧، ص ٣٠٨.
[٣] - غافر ٧: ٤٠.
[٤] - جامع البيان، ج ٣، ص ٨.
[٥] - البداية والنهاية، ج ٩، ص ٧.
[٦] - جامع البيان، ج ١، ص ١٥٠.
[٧] - البقرة ٢٩: ٢.
[٨] - راجع: بحار الأنوار، ج ٥٨، ص ٧.