التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٦ - العرش والكرسي
إلى كرس الملك، وهو ما يعتمد عليه، كما يقال دهري- بالضم- نسبة إلى الدهر. ومن ثمّ أطلق على العلماء «الكراسي» لأنّهم عماد الامّة ومرجعها فيما ينوب. وقد أنشد قطرب:
|
تحفّ بها بيض الوجوه وعصبةٌ |
كراسيُّ بالأحداث حين تنوب |
|
أراد بهم علماء خبراء بحوادث الامور ونوازلها. وقد قيل: خير الحيوان الأناسي، وخير الأناسي الكراسي، أي العلماء العقلاء العارفون بشؤون التدبير.[١]
قال تعالى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما»[٢] أي وسع ملكه أرجاء عالم الوجود من غير أن يعجز عن إدارة شؤونه بما يدوم مزدهرا مع الأبدية. فهذا التعبير (لايؤده) يدلّنا بوضوح على إرادة الملك من «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ» بالذات، ومن عبّر عن الكرسي بالعلم- كابنعباس ومجاهد وغيرهما- أراد نفس المعنى، إذ ملكه تعالى منبعث عن علمه المحيط المعبّر عنه بالعرش أيضا، حيث التدبير الحكيم يستدعي الإحاطة والعلم بمزايا الامور.
قال تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ».[٣] وقال: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ».[٤]
انظر إلى الآية الاولى كيف رتّبت التدبير على قوله: «اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ليكون المعنى: استوى على عرش التدبير، وتوضّحه الآية التالية «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ» فالخلق هو ماعبّر أولًا من خلق السماوات والأرض، والأمر هو إقامة شؤونهنّ وحفظهن عن الفساد والاختلال.
وهكذا جاء التعبير في سورة الرعد (٢: ١٣) «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ... يُدَبِّرُ الْأَمْرَ».
[١] - راجع: معجم مقاييس اللغة لابن فارس، ج ٥، ص ١٦٩؛ وأساس البلاغة، ج ٢، ص ٣٠٣.
[٢] - البقرة ٢٥٥: ٢.
[٣] - يونس ٣: ١٠.
[٤] - الأعراف ٥٤: ٧.