التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٥ - العرش والكرسي
العرش والكرسي
رغم تكرّر ذكر «العرش» في القرآن أكثر من عشرين مرّة، لم يأت ذكر «الكرسي» إلّا مرّة واحدة في سورة البقرة: ٢٥٥. وهل هما تعبيران عن شيء واحد أم هما شيئان؟ ذهب أهل الحشو من أصحاب الحديث إلى أنّ العرش هو سرير ملكه تعالى متربّع عليه، والكرسي دكّة أو مصطبة دون العرش، يكون موضع قدميه تعالى، وهو يئطّ[١] من ثقله تعالى أطيط الرحل الحديد. ورووا في ذلك أحاديث اعتمدوا ظواهرها من غير تعمّق أو تحقيق.[٢]
أمّا أهل النظر والتمحيص فقد شطبوا على هكذا روايات هي مخالفة لضرورة العقل ومحكم الشريعة. وفسّروا العرش والكرسي بالعلم والقدرة، لمناسبة جلية من نفس الآيات، وشواهد من اللغة والآثار.[٣]
والذي نستخلصه من مفاد الآيات والروايات الصحيحة: أنّ العرش والكرسي تعبيران عن معنى واحد هو: جليل قدرته تعالى وسعة علمه المحيط بكلّ شيء. غير أنّ «الكرسي» جاء تعبيرا عن «ملكه» تعالى بالذات، و «العرش» تعبيرا عن جانب «تدبيره» لشؤون الخلق كلّه. فالكرسي كرسي الملك، والعرش عرش التدبير. وكلاهما يشفّان عن سعة علمه وعظيم قدرته تعالى، حيث القدرة الشاملة والعلم المحيط يستدعيان ملكا يسع السماوات والأرض، وتدبيرا شاملًا لعالم الوجود أجمع.
قال ابنفارس: الكرسي أصل عربي يدلّ على تلبّد شيء فوق شيء وتجمّعه ومنه اشتقّت الكرّاسة اسما لمجموع أوراق يكتب فيها بعضها على بعض. والكرسي أصل البناء أيضا، لضخامته. قال الزمخشري: يقال هو طيب الكرسي أي الأصل.[٤] و الكرسى منسوب
[١] - أطّ أطيطا أي صوّت.
[٢] - راجع بالخصوص: تفسير ابنكثير- ذيل آية الكرسي، ج ١، ص ٣٠٩- ٣١٠.
[٣] - راجع بالخصوص: جامع البيان، ج ٣، ص ٨ وسننقل بعض كلامه في آخر الفصل.
[٤] - كما قال العجاج:
|
إنّ أبالعباس أولى نفس |
بمعدن الملك الكريم الكرس |
|