التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٢ - الجهة والمكان
هكذا لفَّق أصحاب التشبيه تلفيقاتهم لإثبات الجهة له تعالى، وقد أتى عليها أهل العدل والتنزيه بعاصفة البرهان القاطع، فنسفوها نسفا وذروها أدراج الرياح.
قال أهل التنزيه: إنّه تعالى ليس بجسم ولا فيه شيء من خواص الأجسام، فليس يوصف تعالى بالأبعاد الثلاثة، من طول وعرض وعمق، ولا هو ذو حركة وسكون، ولا خفّة ولاثقل ولا وزن، ولا هو محدود بجهة ولا يحويه مكان، وإن كان لايخلو منه مكان، ولا هو معروض الحوادث من الاجتماع والافتراق، والحضور والغياب، والانتقال والذهاب والإياب. إذ كلّ ذلك هو من ملزومات الجسمية، وهي عوارض حادثة، واللّه تعالى قديم في ذاته وصفاته، متنزّه عن كلّ عروض أو حدوث[١] «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».[٢]
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من أشار إليه فقد حدّه.[٣] ومن حدّه فقد عدّه.[٤] ومن قال: فيم؟
فقد ضمّنه. ومن قال: علام؟ فقد أخلى منه.[٥] كائن لاعن حدث، موجود لا عن عدم[٦] مع كلّ شيء لابمقارنة، وغير كلّ شيء لابمزايلة».[٧]
وقال عليه السلام: «لا يُشغله شأن، ولا يُغيّره زمان ولا يحويه مكان».[٨] وقال: «لايُدرَك بوهم، ولا يُقدّر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا يَنقصه نائل. ولا يَنظر بعين، ولا يُحدّ بأين، ولا يوصف بالأزواج، ولا يُخلَق بعلاج، ولا يُدرِك بالحواس، ولايقاس بالناس».[٩]
وقال الإمام جعفر بنمحمّد الصادق عليه السلام: «إنّ اللّه عظيم رفيع لايقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه عظمته، لاتدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.
[١] - راجع في ذلك بالخصوص: تجريد الاعتقاد لنصيرالدين الطوسي، بشرح العلامة ابنالمطهر الحلي، بحث الإلهيات، المسألة: ٢٠- ١٢، ص ١٦١- ١٦٤؛ وشرح الاصول الخمسة، ص ٢١٦- ٢٣٠.
[٢] - الشورى ١١: ٤٢.
[٣] - لأنّ الإشارة الحسّية تستدعي حصر المشار إليه في جهة منقطعا عن غيرها من الجهات فيكون محدودا، أي ذا طرف ينتهي إليه. فمن أشار إليه فقد حدّه.
[٤] - لأنّ التحديد هو منشأ العدّ، فلولا الانتهاء إلى حدّ لما صحّ العدّ.
[٥] - لأنّه لو كان على شيء- كالعرش مثلًا- لزم إخلاء سائر الأمكنة منه.
[٦] - فهو تعالى موجود أزلي قديم.
[٧] - من اولى خطبة من نهج البلاغة، ص ٣٩- ٤٠.
[٨] - نهج البلاغة، ص ٢٥٦، رقم ١٧٨.
[٩] - المصدر، ص ٢٦٢، رقم ١٨٢، من رواية نوف البكالي.