التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠١ - الجهة والمكان
آمنتم باستوائه على العرش كإيمان المصلّين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشدّ عليه من ذلك، فكما قدر على الاولى قدر على الاخرى كيف يشاء.[١]
٤٦- واستدلّ ابنخزيمة بأنّ فطرة المسلمين علمائهم وجهّالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وأُناثيهم، بالغيهم وأطفالهم، كلّ من دعا اللّه جلّ وعلا، فإنّما يرفع رأسه إلى السماء، ويمدّ يده إلى اللّه إلى أعلاه لا إلى أسفل. وزاد المعلّق (محمد خليل هراس) في هامش الكتاب: أنّ التوجّه إلى السماء في الدعاء، ليس فطرة في المسلمين وحدهم، بل هو فطرة عامّة في سائر الناس، بل إنّ الحيوانات نفسها لترفع رأسها إلى السماء زمان الجدب، كأنّها تستمطر ربّها، ولا يجحد هذه الفطرة إلّا معطّل قد فسدت فطرته.[٢] وهكذا استدلّ أبوالحسن الأشعري.
هذا جلّ ماتشبّث به القوم في هذا المجال، فانتظر للإجابة على جميع ذلك واحدة واحدة تباعا حسب الأرقام.
وللأشاعرة ومن لفّ لفّهم- هنا- كلام سيّء، زعموه نقضا على أهل التنزيه. قال أبوالحسن الأشعري: زعمت المعتزلة أنّ اللّه في كلّ مكان، فلزمهم أنّه في بطن مريم، وفي الحشوش، وفي الأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى اللّه عن قولهم![٣] وقال أبوسعيد: فما الذي دعا الملك القدّوس، إذ هو على عرشه في عزّه وبهائه، أن يصير في الأمكنة القذرة وأجواف الناس والطير والبهائم، ويصير بزعمكم- خطاب إلى أهل التنزيه- في كلّ زاوية وحجرة ومكان منه شيء؟![٤]
والحشوش: الكنف ومواضع قضاء الحاجة، الواحد: حش، وأصله من الحش:
البستان، لأنّهم كانوا كثيرا مايتغوّطون في البساتين. قال ابنالأثير: والأخلية: الخلاء. وهو الكنيف أيضا. انظر إلى هذا التعبير السيّء في مقام التكلّم عن شؤون ربّ العزّة، ولاغرو فإنّ الغريق يتشبّث بكلّ حشيش، ونحن نقدّرهم إذ عبّروا ببطن مريم!
[١] - الردّ على الجهمية، ص ٢٧- ٢٩.
[٢] - التوحيد والصفات، ص ١١٠؛ وراجع: الإبانة، ص ٧٠.
[٣] - الإبانة، ص ٧١.
[٤] - الردّ على الجهمية، ص ١٤.