شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٢ - باب فى تنقل احوال القلب
لنا و أمتعنا بك أنّا نأتيك فما نخرج من عندك حتّى ترقّ قلوبنا و تسلوا أنفسنا عن
بك انا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا- الخ)
(١) هذا انكار منه على نفسه لما وجد منها فى خلوتها خلاف ما يظهر منه بحضرته (ع) خوف أن يكون ذلك من أنواع النفاق و أراد من نفسه أن يكون دائما على تلك الحالة التى يجدها عند موعظته (ع) و لا يشتغل عنها بشيء فأخبره تحسرا و تأسفا بأنه يفوت عنه تلك الحالة الشريفة عند المعاشرة مع أهل الدنيا فأجاب (ع) بأن القلوب مرة تصعب و مرة تسهل و ليست دائما على حالة واحدة فاذا صعبت أدبرت و انتقلت الى حالة دنية و اذا سهلت أقبلت و انتقلت منها الى حالة شريفة و وجه ذلك أن سنة اللّه فى عالم الانسان أن يكون فعله متوسطا بين عالم الملائكة و عالم الشياطين فمكن الملائكة فى الخير بحيث يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ و يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ و لٰا يَفْتُرُونَ و مكن الشياطين فى الشر بحيث لا يغفلون فجعل عالم الانسان متلونا و إليه يرشد ما نقل عن أبى ذر قال: «و على العاقل أن تكون له ساعة يناجى فيها ربه و ساعة يحاسب فيها نفسه و ساعة يفكر فيها فى صنع اللّه و ساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم و المشرب» و فيه رد على من زعم لنفسه دوام تلك الحال و أنه لا يميل معها الى الاهل و المال اللهم الا أن يدعى أنه خرج من جبلة البشر و تعاطى دوام الذكر و عدم الفترة التى هى من خواص الملائكة و الحق ان دوام الاحوال محال عادة و انما الّذي يمكن دوامه هو المقام و هو يحصل للانسان لسعيه و كسبه و الحال تحصل بهبة ربه و لهذا قالوا المقامات مكاسب و الاحوال مواهب [١] و فيه دلالة واضحة على أن مجالسة الصالحين
[١] قوله «المقامات مكاسب و الاحوال مواهب» كلمة متلقاة من الصوفية و لا ضير فى نقلها و الاعتماد عليها و الاعتناء بها اذا لم تكن من البدع و دل عليها العقل و لا ريب أن كل كمال للنفس يفيض عليها من الملاء الاعلى سواء كان علما نافعا أو خلقا حسنا، و اذا أخذته النفس و التفتت إليه و اعتنت به و عملت بمقتضاه و حفظته صارت ملكة راسخة و سمى مقاما و ان لم تعتن به و أهملته و كان فى معرض الزوال سمى حالا، و الاصل فى ذلك أن فى الانسان قوة تسمى بالقوة العاقلة و قوة اخرى تسمى بالواهمة، و الشهوة و الغصب و ما يتفرع عليها من الاهواء من الواهمة و الخير و الفضائل من العاقلة و العاقلة و الواهمة قد تتفقان كشهوة طعام الحلال و دفع أعداء الدين فلا كلام و قد تتخالفان و هو الغالب و كل ما نرى من البدع و الضلالات و الفتن و الاهواء و الفسوق و المعاصى فانما هى لغلبة القوة الواهمة على العاقلة لا لان العاقلة معزولة لا تحكم بشيء بل لانها مغلوبة لا تطيعها سائر القوى و لو كانت العاقلة معزولة لكان صاحبها بمنزلة الحيوان و المجانين و لكنها آمرة لا تطاع و طريق تسخير الواهمة ان يتمرن الانسان و يتتبع حالاته فكلما رأى حالا افيضت عليه و أمره بها العقل تمسك و لم يهمل