شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٨ - باب وجوه الكفر
ظُلْماً وَ عُلُوًّا» و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰافِرِينَ فهذا تفسير وجهي
أصحابنا ثم كون التصديق القلبى ايمانا مشروط بالاقرار باللسان مع القدرة و هو مذهب طائفة من العامة أيضا قال التفتازانى فى شرحه للعقائد النسفية: فرقة يعنى من أهل السنة و الجماعة تقول الاقرار شرط لصحته و قال العلامة الدوانى فى شرحه للعقائد العضدية و التلفظ بكلمتى الشهادتين مع القدرة عليه شرط فمن أخل به فهو كافر مخلد فى النار و لنا أيضا أن نقول كون التصديق ايمانا مشروط بعدم الانكار فينتفى الايمان بالانكار، و اللّه أعلم.
(و قال اللّه عز و جل: وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰافِرِينَ)
(١) أى و كان أهل الكتاب من قبل البعثة يطلبون
فلم يؤمنوا كما لا يؤمن بالمقدمات التى يعترف بها و بصحتها من يخاف من الميت و كذلك حب الجاه و العادة و كراهة ترك ما تربى عليه يمنع الكافى من الخضوع لعقله و نرى فى زماننا أيضا كثيرا ممن نشأ على رأى و عقيدة و اعتاد طريقة و عملا لا يتيسر له ترك ما اعتاده و ان اقيم له ألف دليل و اذا أقام الشيعى على مخالفه ألف قرينة و شاهد على كون على (ع) غير راض بخلافة من تقدم عليه تمحل فى الخروج عن العويصة و تكلف لابداء احتمالات غير معقولة لتوجيه ما أشكل عليه حتى يتخلص من ترك ما نشأ عليه و هذا معنى قوله تعالى ظُلْماً وَ عُلُوًّا لان الظلم و هو الانحراف عن الحق و حب الاستعلاء و الغلبة و عدم الاعتراف بالجهل و القصور من القوة الواهمة التى تغلب على العقل و كل صاحب رأى و حرفة و فن و علم يريد ان يثبت رجحانه و علوه و فضله على مخالفه، و كل جاهل بشيء يريد أن يبطل ذلك الشيء او يجعله تافها و يظهر أن جهله به لانه لا يعبأ به و لا فضل فى علمه. فالمتفلسف او المتفقه ان لم يكن عارفا بالنحو لا يعترف بأن النحوى أفضل منه فى شيء بل يقول ان النحو شيء لا فضل لعالمه و لا نقص على جاهله و المهم هو الّذي أنا عالم به، و المتكلم الجاهل بالفقه لا يرى الفقه الا وسيلة للتكسب لا علما يكمل به النفوس و كل حزب بما لديهم فرحون. و الفقيه الجاهل بالكلام لا يرى النظر فى الكلام الا تضييعا للعمر و اشتغالا بما لا يعنى ان لم يعتقده ضلالا.
و بالجملة هذا الصنف من الكفار جماعة غلبت أوهامهم على قوتهم العاقلة فصار تصديقهم القلبى مقهورا نظير من يخاف من الميت مع تصديقه بأنه جماد لا يخاف منه فكما أنه لا يصدق عليه أنه لا يخاف كذلك لا يصدق على من جحد و استيقنتها انفسهم أنهم مؤمنون لان ظلمهم و انحرافهم و علوهم و عصبيتهم مانعة من خضوع نفوسهم ليقينهم المرتكز فى باطنهم. (ش)