دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٥٨ - فصل الخطابات الشفاهية
الغائبين؛ لإحاطته بالموجود في الحال، و الموجود في الاستقبال فاسد (١).
ضرورة: أن إحاطته تعالى لا توجب صلاحية المعدوم؛ بل الغائب للخطاب، و عدم صحة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصا في ناحيته تعالى (٢)، كما لا يخفى. كما أن (٣) خطابه اللفظي لكونه تدريجيا و متصرم الوجود كان قاصرا (٤) عن أن يكون موجها نحو غير من كان بمسمع منه، ضرورة. هذا (٥) لو قلنا بأن
و يؤيد ذلك: قوله تعالى: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [١]، فالكل في عرض واحد مشهود لديه «جلّ شأنه»، فيصح خطابه للمعدوم، كما يصح للموجود.
(١) خبر لقوله: «و توهّم» و دفع له. و حاصل فساد التوهم المذكور:- على ما في «منتهى الدراية، ج ٣، ص ٥٩٧»- أن محل الكلام خطاب المكلّفين بوجودهم الزماني الجسماني، لا بوجودهم المثالي أو العقلي، حيث إن التكليف المشروط بالاختيار القابل للإطاعة و العصيان لا يتوجه إلا إلى الموجود المختار القابل للإطاعة و المعصية، فالمعدوم قاصر و غير قابل لتوجيه الخطاب الحقيقي إليه، فالقصور في ناحيته؛ لا في ناحية المخاطب- بالكسر- حتى يقال: إنه تعالى محيط بالموجود و المعدوم على نهج واحد، و يصح له خطاب المعدوم، فإن إحاطته تعالى بهما لا توجب قابلية المعدوم للخطاب، و لا ترفع قصوره. كما أن قصوره لا يوجب نقصا في ناحيته «تبارك و تعالى»، نظير امتناع اجتماع الضدين، فإن امتناعه لا يوجب نقصا في قدرته «عزّ اسمه»، كما أن قدرته الكاملة و إحاطته التامة لا توجب قابلية الضدين للاجتماع.
(٢) إذ عدم قابلية الظرف مثلا لأخذ ماء البحر ليس من جهة نقص في ماء البحر؛ بل من جهة نقص الظرف. و قد ورد في بعض من الروايات حين سئل الإمام عن تعلق قدرة الله تعالى بالمستحيل فأجاب «(عليه السلام)»: بأن «ربّنا لا يوصف بالعجز و لكن الطرف غير قابل».
(٣) يعني: كما أن إحاطته تعالى بالمعدوم لا توجب صلاحيته للخطاب الحقيقي لقصوره؛ كذلك لا يكون نفس الخطاب اللفظي المتصرم وجوده قابلا لتوجهه إلى المعدوم؛ لأن المراد بالخطاب- و هو القرآن- وجوده اللفظي التدريجي المتصرم؛ لا وجوده في اللوح المحفوظ، و من المعلوم: انعدام الخطاب قبل وجود المعدومين.
(٤) وجه قصوره تدريجية الكلام، و تصرّمه، و عدم وجود المخاطب حين الخطاب، فلو كان الخطاب أبديا كان توجهه إلى المعدوم بعد وجوده ممكنا.
(٥) أي: اختصاص الخطابات بالمشافهين، و عدم شمولها للغائبين و المعدومين مبني
[١] الأعراف: ١٧٢.