دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٠٩ - الفرق بين المخصص اللفظي و اللبّي
متصلا، و القطع بعدم إرادة العدوّ لا يوجب انقطاع حجيّته؛ إلا فيما قطع أنه عدوّه، لا فيما شكّ فيه، كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحدا من جيرانه، لاحتمال عداوته له، و حسن عقوبته على مخالفته، و عدم صحة الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوة، كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة، و السيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجيّة أصالة الظهور.
و بالجملة: كان بناء العلماء على حجيّتها (١) بالنسبة إلى المشتبه هاهنا بخلاف هناك (٢)، و لعلّه (٣) لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما، بإلقاء حجّتين هناك، تكون قضيتهما (٤) بعد تحكيم الخاص و تقديمه على العام، كأنّه لم يعمّه حكما من رأس، و كأنّه لم يكن بعام، بخلافه هاهنا فإن الحجة الملقاة ليست إلا واحدة، و القطع بعدم إرادة إكرام العدوّ في «أكرم جيراني» مثلا لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلا فيما قطع بخروجه من تحته، فإنّه (٥) على الحكيم إلقاء كلامه على وفق غرضه و مرامه، فلا بد من اتّباعه ما لم تقم حجة أقوى على خلافه (٦).
و كيف كان؛ فإن السيرة المألوفة بين العقلاء قد استقرت على حجية أصالة الظهور، مع احتمال إرادة خلاف الظاهر، و عدم رفع اليد عنها بمجرد احتمال إرادة خلافه، و عليه: فتكون أصالة العموم في المقام في مشكوك العداوة في المثال هي المرجع.
(١) أي: حجية أصالة الظهور بالنسبة إلى الفرد المشتبه كمحتمل العداوة.
(٢) أي: بخلاف الخاص اللفظي الذي اشتبه مصداقه، و المراد بقوله: «هاهنا» المخصص اللبّي.
(٣) أي: لعل بناء العقلاء على حجية أصالة الظهور بالنسبة إلى المشتبه هنا دون هناك، «لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما» أي: المخصص اللفظي و اللبي.
(٤) أي: تكون قضية حجتين في المخصص اللفظي، بعد تحكيم الخاص و تقديمه على العام؛ كأن العام لم يعم الخاص الخارج حكما من رأس، و كأنّه لم يكن بعام، بخلاف العام في المخصص اللبّي، «فإن الحجة الملقاة ليست إلا واحدة».
(٥) بيان لحجية العام في الفرد المشتبه في المخصص اللبّي بتقريب: أن غرض الحكيم إن كان حجية ظاهر كلامه إلا مع العلم بخلافه، فله إلقاء كلامه على وفق هذا الغرض، و حينئذ لا بد من اتباع ظاهره إلا إذا قامت حجة على خلافه، و من المعلوم: عدم قيام حجة على خلاف ظاهر العام في الفرد المشتبه، فلا بد من اتباع ظاهره في الفرد المشتبه.
(٦) على خلاف كلام المتكلم الحكيم.