تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٧٠ - الإصرار في نسبة الجنون إليه
بأخلاقه الكريمة و سجاياه النبيلة، دون تلكؤ، و لا إبطاء.
و قد كان من أوصافه الحسنة البارزة ان جميع الناس كانوا يدعونه «الصادق» «الامين» و كانوا يثقون بأمانته ثقة كبرى [١] حتى أن المشركين كانوا يودعون ما غلى من أموالهم عنده، و استمر هذا الأمر حتى عشرة أعوام بعد دعوته العلنيّة.
(١) و حيث أن دعوته (صلّى اللّه عليه و آله) قد ثقلت على المعاندين فاجتهدوا في أن يصرفوا عنه الناس بما ينسبون إليه من بعض النسب التي توجب سوء الظنّ به، و من ثم إفشال دعوته، و حيث أنهم كانوا يعلمون أن النسب الاخرى ممّا لا يقيم لها المشركون وزنا، لأنها امور بسيطة في نظرهم، من هنا رأوا بأن يتهمونه بالجنون، و الزعم بان ما يقوله و يقرؤه ما هو إلّا من نسج الخيال، و من أثر الجنون الذي لا يتنافى مع الزهد، و الأمانة، و ذلك تكذيبا لدعوته.
ثم عملت قريش على إشاعة هذه النسبة، و اتخذت وسائل عديدة و ماكرة لترويجها و بثّها بين الناس.
و من شدّة مكرهم و مراءاتهم أنّهم كانوا يتخذون موقف المتسائل المحايد فيطرحون هذه التهمة في قالب الشك، و الترديد اذ يقولون:
«أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ» [٢].
(٢) و هذه هي بعينها الحيلة الشيطانية التي يتوسّل بها و يتستر وراءها أعداء الحقيقة دائما عند ما يريدون تكذيب المصلحين العظام، و إسقاط خطواتهم و أفكارهم من الاعتبار، و الحطّ من شأنها و أهميتها.
و يشير القرآن أيضا إلى أنّ هذا الاسلوب الماكر الذميم لم يكن مختصا بالمعارضين في عهد الرسالة المحمّدية، بل كان المعارضون في الأعصر الغابرة أيضا يتوسلون بهذا السلاح لتكذيب الرسل، و الأنبياء إذ يقول عنهم:
[١] بحار الأنوار: ج ١٩ ص ٦٢ عن عبيد اللّه بن ابي رافع: كانت قريش تدعو محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) في الجاهلية الامين و كانت تستودعه و تستحفظه أموالها و أمتعتها، و كذلك كل من كان يقدم مكة من العرب في الموسم، و جاءته النبوة و الرسالة و الأمر كذلك.
[٢] سبأ: ٨.