تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٠٠ - قريش تحاصر النبيّ و المسلمين اقتصاديا و اجتماعيا
(١) في مثل هذه الحالة تضيق الأرض على الأقلية بما رحبت و تغدو الدنيا لهم على سعتها كسجن ضيق و صغير، و يصيرون عرضة للانهيار و السقوط بأقلّ قدر ممكن من الضغط عليها.
إن الاقليّة المخالفة المتمرّدة ربما تستسلم- في هذه الحالة- و تؤوب من منتصف الطريق، و تطيع إرادة الأكثرية.
و لكن أقلية كهذه لا بد أن تكون ممّن لا تعود مخالفتها للأكثرية إلى أمر عقائديّ و لا يكون لانفصالها. عن الاكثرية طابع اصولي مبدئيّ، كما لو كان خلافها مع الاكثرية مثلا على تحصيل ثروة أو منصب مهمّ أو ما شاكل ذلك.
فان مثل هذه الاقلية اذا أحسّت بخطر جدّي، أو واجهت العذاب و السجن و الحصار ستتراجع عن مخالفتها و تعود إلى طاعة الاكثرية مؤثرة اللّذة العابرة المؤقّتة على اللذة الاحتمالية، لأنها لم تنطلق من دوافع ايمانية اصيلة، و لم يكن المحرك لها محركا روحيا معنويا.
و لكن الجماعة التي يقوم خلافها للاكثرية على أساس الإيمان بهدف مقدس، لن تنصاع أبدا لمثل هذه الضغوط، و لن تنثني أمام هذه الرياح و العواصف، و لا يزيدها ضغط الحصار الّا صلابة و قوة، و إصرارا و عنادا، و تردّ جميع ضربات العدوّ بالصبر و الاستقامة.
إن صفحات التاريخ البشريّ تشهد بأن أقوى العوامل لثبات كل أقليّة و صمودها في وجه الأكثرية هو: قوة الايمان، و عامل الاعتقاد، الذي ربما يؤدّي رسالة الثبات و المقاومة ببذل آخر قطرة دم في ساحة المواجهة.
و لنا على هذا عشرات بل و مئات الأمثلة من التاريخ الغابر و الحاضر.
قريش تحاصر النبيّ و المسلمين اقتصاديا و اجتماعيا
(٢) لقد شقّ على قريش انتشار الإسلام المتزائد و أزعجها نفوذه العجيب في القبائل العربية في مدة غير طويلة بالنسبة إلى عمر الدعوة و لهذا كانت تفكر باستمرار في حلّ لهذه المشكلة.