تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٤٨ - أسرار اخرى لنزول القرآن تدريجا
نفسيّتين متضادتين، فالكلام الصادر في حال الفرح و الابتهاج و المسرة من اللسان او القلم، يختلف من حيث الفصاحة و البلاغة و جمال اللفظ و عمق المعنى اختلافا بارزا عن الكلام الصادر في حال الحزن و التعب، و الاخفاق، و الهزيمة.
(١) بينما لا يوجد أي شيء من الاختلاف من حيث الألفاظ و المعاني بين آيات القرآن الكريم مع أنّها نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يمر بحالات مختلفة من الحزن و السرور و الاخفاق و الانتصار و السرّاء و الضرّاء، و العسر و الرخاء، و الجهد و النشاط، بل نجد تلك الآيات على نمط و نسق واحد من القوة و الفصاحة و البلاغة، و جمال اللفظ و عمق المعنى بحيث يستحيل على أيّ بشر بلغ ما بلغ أن يعارض آية من آياته أو سورة من سوره، و كأنّ القرآن الكريم كمية من الفضّة المائعة خرجت من الاتون جملة واحدة لا يوجد بين آياتها أي شيء من التفاوت و الاختلاف، أو كأنّه جوهرة واحدة أولها كآخرها و آخرها كأولها.
و لعلّ الآية التالية التي تنفي أيّ نوع من أنواع الاختلاف في القرآن اذ تقول:
«وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» [١] اشارة الى هذا السرّ.
إنّ المفسرين اعتبروا هذه الآية ناظرة إلى نفي الاختلاف و التناقض بين مفاهيم الآيات و مفاداتها، و مقاصدها، في حين لا تنفي هذه الآية مجرّد هذا النوع من الاختلاف بل تقدّس القرآن المجيد و تنزهه من جميع انواع الاختلاف و التناقض الذي هو من لوازم العمل و الانتاج البشري.
[١] النساء: ٨٢.