تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٤٥ - الفجار الأوّل
خارج عن إطار هذه الدراسة، بيد أننا- مع ذلك- نعمد إلى بيان أسباب هذه الحروب التي شارك في إحداها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بناء على رواية بعض المؤرخين و حوادثها على نحو الاجمال بغية اطلاع القارئ الكريم.
كانت العرب تقضي عامها كله بالقتال و الاغارة، و قد تسبب هذا الوضع في اختلال حياتهم، و اضطراب امورهم، و لأجل هذا كانوا يحرّمون القتال و يتوقفون عنه في أربعة أشهر من كل عام (هي شهر رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، محرم) ليتسنى لهم- في هذه المدة- أن يقيموا أسواقهم، و يستغلّوها بالكسب و التجارة و البيع و الشراء [١].
(١) و لهذا كانت أسواق «عكاظ» و «مجنّة» و «ذو المجاز» تشهد طوال هذه الاشهر الحرام اجتماعات كبرى و تجمعات حافلة و حاشدة، كان يلتقي فيها العدوّ و الصديق جنبا الى جنب، يتبايعون، و يتفاخرون.
فقد كان شعراء العرب المشهورون يلقون قصائدهم في هذه الاجتماعات الكبرى، كما يلقي كبار خطباء العرب و فصحاؤهم خطبا قوية، و أحاديث في غاية الفصاحة و البلاغة، و كان اليهود و النصارى و الوثنيون يعرضون معتقداتهم في هذه المناسبات من دون خوف او وجل.
و لكن هذه الحرمة قد هتكت أربع مرات في تاريخ العرب، و تقاتلت القبائل العربية فيما بينها في هذه الأشهر الحرم، و لهذا سمّيت تلك الحروب بحروب «الفجار»، و في ما يلي نشير إليها على نحو الاجمال:
(٢)
الفجار الأوّل:
و وقعت الحرب فيها بين قبيلتي «كنانة» و «هوازن» و جاء في سبب نشوب
[١] يستفاد من قوله تعالى في الآية ٣٦ من سورة التوبة: «إنّ عدّة الشّهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السّماوات و الأرض منها أربعة حرم» أن تحريم القتال في هذه الأشهر الأربعة كان ذا جذور دينية، و كانت العرب الجاهلية تحترم هذه الأشهر اتباعا لسنّة «إبراهيم الخليل» (عليه السلام).