تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٢٧ - سفرة إلى يثرب
لقد حافظت مرضعة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليه خمس سنوات، و قامت في هذه المدة برعاية شئونه خير قيام، و بالغت في كفالته و العناية به، و في خلال هذه المدة تعلّم النبي لغة العرب على احسن ما يكون، حتى انه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يفتخر بذلك في ما بعد اذ كان يقول:
أنا أعربكم (اي أفصحكم) ... و ارضعت في بني سعد» [١].
ثم ان «حليمة» جاءت به إلى «مكة»، و بقي عند امّه الحنون ردحا من الزمن، و في كفالة جده العظيم: «عبد المطلب» ردحا آخر منه، و كان هو السلوة الوحيدة لاقاربه و البقية الباقية من أبيه: «عبد اللّه» [٢].
(١)
سفرة إلى يثرب:
منذ أن فقدت كنّة «عبد المطلب» و عروس ابنها: «آمنة» زوجها الشاب الكريم: «عبد اللّه» باتت تترقب الفرص لتذهب إلى «يثرب» و تزور قبر زوجها الحبيب الفقيد عن كثب، و تزور اقاربها في يثرب في نفس الوقت.
و ذات مرة فكّرت بأن تلك الفرصة قد سنحت، و أن ولدها «محمّدا» قد كبر، و يمكنه أن يشاركها في حزنها، فتهيأت هي و أمّ ايمن للسفر، و اتجهت نحو يثرب برفقة «محمّد»، و لبثت هناك شهرا.
و لقد انطوت (و بالاحرى حملت) هذه السفرة على بعض الآلام الروحية لوليد قريش «محمّد» لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) راى فيها و لأوّل مرة البيت الذي توفي فيه والده العزيز، و دفن [٣] و كانت والدته قد حدّثته بامور عن والده إلى ذلك الحين.
و كانت لا تزال سحابة الحزن تخيّم على روحه الشريفة إذ فوجئ بحادثة مقرحة اخرى، و غشيه موج آخر من الحزن لأنه عند عودته من مكة فقد امّه
[١] السيرة الحلبية: ج ١ ص ٨٩.
[٢] السيرة النبوية: ج ١ ص ١٦٧.
[٣] كان البيت الذي يضمّ قبر «عبد اللّه» (عليه السلام) لا يزال موجودا حتى قبيل توسعة الدائرة حول المسجد النبوي الطاهر، و لكنه ازيل بحجّة إيجاد تلك التوسعة.