تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٨٦ - ٥- بما ذا نميز المعاجز عن غيرها من الخوارق؟
و قال عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم:
أنت الجليل ربنا لم تدنس--أنت حبست الفيل بالمغمّس
من بعد ما همّ بشيء مبلس--حبسته في هيئة المكركس [١]
و قال ابن قيس الرقيات في قصيدة:
و استهلّت عليهم الطير با--لجندل حتى كأنّه مرجوم [٢]
(١) ما ذا بعد هزيمة الأحباش؟
لقد استوجب مقتل أبرهة و تحطّم جيشه و هلاكهم، و بالتالي هزيمة أعداء الكعبة المشرفة، و أعداء قريش، أن يتعاظم شأن المكيّين، و شأن الكعبة الشريفة في نظر العرب، فلا يجرأ أحد- بعد ذلك- في أن يحدّث نفسه بغزو مكة، و الإغارة على قريش، أو أن يفكر في التطاول على الكعبة المعظمة صرح التوحيد الشامخ، فقد اخذ الناس يقولون في انفسهم: إنّ اللّه أهلك أعداء بيته المعظم بمثل ذلك الاهلاك احتراما لبيته و تعظيما لشأن قريش، و قلّما كان يتصور أحد أن ما وقع كان لاجل المحافظة على الكعبة فقط، اي من دون أن يكون لمكانة قريش و منزلتهم و شأنهم دخل في ذلك، و يشهد بذلك أن قريشا تعرضت مرارا لحملات متكررة من غزاة ذلك العصر دون أن يصابوا بمثل ما اصيب به جند «ابرهة» الذي قصد الكعبة بالذات و يواجهوا ما واجهه، من الردع و الكبت.
(٢) إنّ هذا الفتح و الظفر الذي نالته قريش من دون تعب و نصب، و من دون إراقة أية دماء من أبنائها، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة، فقد زادت من غرورهم و حميّتهم، و عنجهيتهم، و اعتزازهم بعنصرهم، فأخذوا يفكرون في تحديد شئون الآخرين، و التقليل من وزنهم، اعتقادا منهم بانهم الطبقة الممتازة من العرب دون سواهم. كما أنها دفعتهم الى أن يتصوّروا أنهم وحدهم موضع عناية الأصنام (الثلاثمائة و الستين) فهم وحدهم الذين تحبّهم
[١] المنكّس.
[٢] تفسير مجمع البيان للطبرسي: ج ١٠ ص ٥٤٣ في تفسير سورة الفيل.