البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٩ - الإشكال الثالث
و يخالف ما هو المرتكز عرفاً من تخصيص العام في مثل ذلك و الالتزام بالوجوب [١].
الإشكال الثالث:
إنه إذا بنينا على أن حكم العقل بلزوم امتثال طلب المولى معلّق على عدم ورود الترخيص من الشارع في المخالفة، فلنا حينئذ أن نسأل و نقول: ما المراد بكونه معلّقاً على عدم ورود الترخيص، فإنّ فيه ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يُراد بذلك كونه معلّقاً على عدم اتصال الترخيص بالأمر، فلو صدر من المولى طلب و اتصل بترخيص في المخالفة، لم يحكم العقل بلزوم امتثال ذلك الطلب، كما لو ورد: «اكرم الفقير و لا بأس عليك لو لم تفعل»؛ لأنه في هذه الحالة يكون الطلب المستفاد من قوله: «اكرم الفقير» قد اتصل بترخيص في المخالفة، فينتفي موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال؛ لأنه بحسب الفرض معلّق على عدم اتصال الترخيص بالأمر، و قد اتصل به الترخيص.
الاحتمال الثاني: أن يُراد به كونه معلقاً على عدم صدور الترخيص واقعاً و لو بصورة منفصلة عن الأمر بأن لم يصل إلينا إطلاقاً، و في هذه الحالة، لكي يتم موضوع حكم العقل بلزوم امتثال الأمر هنا، لا بدّ من إحراز عدم صدور الترخيص، و إلّا فمع عدم إحرازه، لا يحكم العقل بلزوم امتثال الطلب؛ لعدم إحراز موضوعه بحسب هذا الفرض.
الاحتمال الثالث: أن يراد بذلك كونه معلقاً على عدم العلم بصدور الترخيص [٢]،
[١] لكن، يمكن للمحقق النائيني أن يدافع عن مختاره هنا من دون لزوم ذلك لمخالفة ما عليه الفقهاء، و ما هو المرتكز عرفاً، ويحكم بالوجوب في مثل هذه الحالة، بأن يقول: إن المقصود بالترخيص الذي اشترط عدم اقترانه بالطلب، هو خصوص ما كان ترخيصاً يكون متعلقه متطابقاً مع ما تعلق الطلب به، لا ما كان بنحو العموم أو الإطلاق، كما لو قال:) أكرم زيداً، و لا بأس إن لم تكرمه (؛ فإن متعلق الترخيص هنا هو نفس متعلق الطلب و هو زيد، أو قال:) صلّ صلاة الليل (، ثم قال:) صلاة الليل ليست واجبة (، أو غير ذلك مما كان ترخيصاً متعلقاً بنفس ما تعلق به الطلب، و لا بد أن يكون هذا هو مراد المحقق النائيني، و إلا فالتزامه بالوجوب و التخصيص في مثل تلك الحالة المذكورة مما لا ينكره.
[٢] الظاهر أن هذا هو مراد المحقق النائيني؛ حيث قال في فوائد الأصول- المجلد الأول- ص ١٣٦- ١٣٧: «و الصيغة في جميع المقامات- أي في قوله: اغتسل للجمعة، و الجنابة، و التوبة ... الخ- لم تستعمل إلّا لإيقاع النسبة بداعي البعث و التحريك، غايته انه في بعض المقامات قام الدّليل على عدم لزوم الانبعاث عن ذلك البعث، و في بعض المقامات لم يقم، فيكون المورد على ما هو عليه من حكم العقل بلزوم الانبعاث عن البعث».
فإنّ قوله:) في بعض المقامات قام الدّليل على عدم لزوم الانبعاث (، يعني انه في بعض المقامات علمنا بصدور الترخيص، فلا يحكم العقل بلزوم الانبعاث عن ذلك الطلب، و في بعضها الآخر لم نعلم بصدور الترخيص، فيكون المورد على ما هو عليه من حكم العقل بلزوم الانبعاث عن الطلب، و هذا يعني أن حكم العقل بلزوم الانبعاث عن الطلب معلّق على عدم العلم بصدور الترخيص في المخالفة.