البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٧٧
العلم لا يحصل إلّا بالتواتر، فما دون التواتر لا يفيد العلم قطعاً، و هذا يعني أن الشهرة الروائية لا تفيد سوى الظن بصدور الرواية، و من الواضح أن الخبر المظنون الصدور ليس من وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، بل يحتاج لإثبات حجيّته إلى التعبّد الشرعي، و أمّا إذا حدّدنا التواتر تحديداً كمّياً بعدد معيّن فالأمر بالنسبة إلى الشهرة الروائية أوضح ممّا تقدم.
هذا بالنسبة للشهرة الروائيّة، و قد اتضح عدم إمكان عدّها من وسائل الإحراز الوجداني للدليل الشرعي، و أمّا ما يتعلّق بالشهرة الفتوائية التي يعبّر عنها أحياناً بالإجماع الناقص [١]، و هي عبارة عن اشتهار الفتوى إلى ما دون الإجماع، فهنا، تارة نحدد الإجماع تحديداً كيفياً، و أخرى نحدده تحديداً كميّاً عدديّاً.
فإن حدّدنا الإجماع تحديداً كيفياً بتعدّد المفتين إلى الدرجة الموجبة لحصول العلم بالدليل الشرعي، فمن الطبيعي أن لا تتجاوز الشهرة الفتوائية درجة الظن بالدليل الشرعي؛ لفرض كونها أقل درجة من الإجماع، و من الواضح أن الظن بالدليل الشرعي لا يكفي ما لم تثبت حجيته بالدليل الشرعي، و إذا حدّدنا الإجماع تحديداً كمياً عددياً باتفاق عدد معين من الفقهاء، كان معنى الشهرة في الفتوى تطابق آراء القسم الأكبر من ذلك العدد المعين، فلو افترضنا أن الإجماع يتحقق بتطابق آراء ثمانية من الفقهاء المتقدمين، فيكون معنى الشهرة في الفتوى تطابق آراء ستة منهم- مثلًا-، و في هذه الحالة، إما أن لا نعلم برأي الآخرين، أو نعلم بخلافهما، أو الظن بموافقتهما أيضاً، و على كل تقدير، فالشهرة بهذا المعنى تدخل في الإجماع بالتحديد الكيفي المتقدّم [٢]، و حينئذٍ، قد توجب إحراز الدليل الشرعي بحساب الاحتمالات، و هو أمر
[١] هذا ما أطلقه السيد الشهيد عليها؛ حيث قال في بحوث في علم الأصول ج ٤ ص ٣٢١: «و في ذيل البحث عن الإجماع، لا بأس بالتعرض إلى حجيَّة الشهرة بوصفها دليلًا لبيّاً استقرائياً أو إجماعاً ناقصاً»
[٢] و لا يمكن أن تدخل في الإجماع بالتحديد الكمّي؛ لأنّه سوف يكون من التناقض؛ و ذلك لأنّه إذا حددنا الإجماع بعدد معيّن، فكل ما نفترضه مشهوراً لا بد و أن يكون أقل من ذلك العدد الذي حددنا به الإجماع.