البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٢ - مناقشة السيد الشهيد
١- إننا لو أخذنا جملة من الجمل التي تشتمل على المعاني الحرفية و المعاني الاسمية، كجملة: «سار زيد من البصرة إلى الكوفة»، حيث إنها تشتمل على معان حرفية يدل عليها كل من لفظ «من»، و «إلى»، و هيئة «سار»، و معان اسمية يدل عليها كل من لفظ «زيد»، و «البصرة»، و «الكوفة»، و مادة سار و هي «السير»، لوجدنا الصورة الذهنية و المعنى الذي تدل عليه هذه الجملة مترابطاً، بخلاف ما لو سمعنا هذه الألفاظ منفردة بعضها عن البعض الآخر، فإن المعاني التي تأتي إلى الذهن من تلك الألفاظ، يشكل كل منها صورة ذهنية مستقلة عن الأخرى، و هذا مما لا إشكال فيه [١].
٢- إن هذه الصورة الذهنية المترابطة، و هذه المعاني التي يرتبط بعضها بالبعض الآخر، تقتضي وجود رابط قد ربط بين معنى «السير»، و معنى «البصرة»، و معنى «زيد»، و معنى «الكوفة»، و إلّا فكيف ارتبط بعضها بالبعض الآخر [٢]؟
٣- و هذا الرابط الذي لا بُدَّ من وجوده، إما أن يكون من خارج الجملة، و إما أن يكون من داخلها، و الأول باطل؛ إذ لا يتصور أن يكون الرابط أمراً خارجياً، فيتعين أن يكون الرابط من داخل الجملة نفسها، و هذا يعني افتراض وجود معان رابطة في الجملة نفسها، هي التي قامت بوظيفة الربط بين تلك المفاهيم [٣].
٤- و هذه المعاني الرابطة التي تؤدي وظيفة الربط، إما أن تكون صفة الربط عرضية لها و طارئة، و إما أن يكون الربط ذاتياً لها، و على كلا التقديرين، لا بد أن ننتهي إلى معان يكون الربط ذاتياً لها؛ بمعنى أن تكون تلك المعاني عين حقيقة الربط و نفسه؛
لأنها إن كانت عرضية لها، فلا بد أن تكون هذه الصفة مستمدة من غيرها، و هذا الغير لا بُدَّ أن يكون من داخل الجملة كما تقدم في النقطة الثالثة، و حينئذٍ، فإن كانت صفة الربط ذاتية له، ثبت المطلوب، و إن كانت عرضية، فلا بد أن يكون من الغير، و يتسلسل الأمر، فلا بد- إذن- من افتراض معان رابطة يكون الربط لها ذاتياً؛ لأن كل ما بالعرض
[١] هذا ما أشار إليه بقوله: «انه لا إشكال في أن الصورة الذهنية التي تدل عليها جملة «سار زيد من البصرة إلى الكوفة» مترابطة»
[٢] هذا ما أشار إليه بقوله: «فلا بدّ من افتراض معان رابطة»
[٣] هذا ما أشار إليه بقوله: «فيها»، أي: أن المعاني الرابطة لا بدّ من افتراضها في نفس الجملة.