البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٩ - بيان المحقق العراقي لتلك الخصوصية
موضوعة في المقامين لمعنى واحد، فدعوى تعدد الوضع عهدتها على مدعيها.
الجواب الثاني هو الصحيح:
فالصحيح هو الجواب الثاني، و هو إن هناك نكتة اقتضت أن نفهم من «كل» عند دخولها على النكرة كما في قولنا: «اقرأ كل كتاب» العموم الأفرادي، و عند دخولها على المعرفة في قولنا: «اقرأ كل الكتاب» العموم الأجزائي، و حينئذٍ، لا بدّ لنا من بيان تلك النكتة التي على أساسها حصل هذا الاختلاف.
بيان المحقق العراقي لتلك الخصوصية:
قوله (قدس سره) ص ١٥٥: «و قد أجاب المحقق العراقي ... الخ».
و قد حاول المحقق العراقي (قدس سره) تفسير ذلك، و بيان تلك الخصوصية على أساس إن الأصل في «كل» كونها دالة على استيعاب أفراد المدخول، إلّا إذا دلت قرينة على عدم إمكان ذلك فيتجه الاستيعاب نحو الأجزاء، كما في حالة دخول «كل» على المفرد المعرف باللام، كما في قولنا: «اقرأ كل الكتاب»؛ فإنه في هذه الحالة لا يمكن الاستيعاب للأفراد؛ و ذلك لأن الأصل في «اللام» أن تكون للعهد، فيكون قوله: «كل الكتاب» إشارة إلى كتاب معهود بين المتكلم و بين المخاطب، كما لو كانا قبل ذلك يتحدثان عن كتاب معين ككتاب المكاسب- مثلًا- و أنه هل ينبغي قراءته كله أم لا؟ فقال له: «اقرأ كل الكتاب»، و هذا يعني تشخيص الكتاب الذي أمره بقراءته في المثال المتقدم، و مع التشخيص لا يمكن الاستيعاب لكل الأفراد؛ و ذلك لعدم انطباقه على غيره من الكتب الأخرى، ككتاب الأصول، و اللمعة، و غيرهما، مما يؤدي إلى اتجاه
الاستيعاب نحو الأجزاء، و هذا يعتبر قرينة عامة على استيعاب الأجزاء، و هي أنه كلما كان مدخول أداة العموم معرفاً باللام، أفاد التشخص، و معه لا يمكن استيعاب الأفراد، فيتجه إلى استيعاب الأجزاء [١].
[١] و هناك جواب آخر للسيد الشهيد يختلف تماماً عما أجاب به المحقق العراقي، و هو: إن الأصل الأوّلي أن يستفاد من «كل» استيعاب أجزاء المدخول؛ لأن المفهوم الداخلة عليه «كل»، تكون دلالته على استيعاب أجزائه ثابتة بمقتضى اطلاقه الأوّلي، و أما ملاحظة الأفراد منه، فبحاجة إلى مئونة دال آخر. و توضيح ذلك: إن أداة العموم ك- «كل»، إذا دخلت على النكرة كما في قولنا: «اقرأ كل كتاب»، فإنها بالإضافة إلى كونها تدل على استيعاب الأفراد، فهي بنفس الوقت تدل ايضاً على استيعاب الأجزاء، فلو افترضنا إن عدد الكتب التي أمرنا بقراءتها بمقتضى قوله: «اقرأ كل كتاب» كانت عبارة عن ثلاثة كتب و هي كتاب الأصول، و كتاب المكاسب، و كتاب اللمعة، فهنا لا شك في استيعاب «كل» لكل فرد من أفراد الكتاب، و لكن، هل يجب علينا قراءة كل كتاب الأصول بجميع أجزائه، و كذلك كتاب المكاسب، و كتاب اللمعة، أو يكفي أن نقرأ جزءاً معيناً من كتاب الأصول، و جزءاً من كتاب المكاسب، و جزءاً من كتاب اللمعة؟
فالسيد الشهيد يقول: يجب علينا أن نقرأ كل كتاب من هذه الكتب بجميع أجزائه و صفحاته؛ و ذلك تمسكاً بالاطلاق، فحيث ثبت وجوب قراءة كتاب الأصول بمقتضى استيعاب «كل» للأفراد، ففي هذه الحالة سوف نشك في أننا هل يجب علينا قراءة و لو جزء واحد منه، أم لا بد من قراءة جميع أجزائه؟ فهنا نتمسك بالاطلاق لاثبات أن المطلوب قراءته هو كل الكتاب، و كذلك الحال بالنسبة إلى كتاب المكاسب، و كتاب اللمعة، و هذا هو مراد السيد الشهيد من الأصل الأولي.
و بعبارة مختصرة: أن دلالة «كل»- سواء دخلت على النكرة أو المعرفة- على استيعاب الأجزاء مفروغ عنها، و أما دلالتها على استيعاب الأفراد، فهي التي تحتاج إلى دال آخر، و هذا يعني ان الأصل الأولي ل- «كل»، انها تدل على استيعاب الأجزاء، و أما دلالتها على استيعاب الأفراد، فهي بحاجة إلى قرينة. راجع بحوث في علم الأصول ج ٣ ص ٢٢٥.