البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٤ - الثانية انحاء الوجود الذهني للماهيّة
للماهيّة، يتصور على أنحاء، و سوف نستعرض أولًا أنحاء الوجود الخارجي للماهيّة، ثم بعد ذلك أنحاء الوجود الذهني لها، وعليه، فالكلام في هذه المقدّمة يقع في نقطتين:
الأولى: انحاء الوجود الخارجي للماهيّة
لو أخذنا ماهيّة الإنسان- مثلًا- أو أية ماهية أخرى، و تتبعنا أنحاء وجودها في الخارج بالقياس إلى صفة معينة من الصفات، كصفة العلم أو غيرها من الصفات الأخرى، لوجدنا إنّ هناك حصتين ممكنتين لها:
الأولى: الإنسان الواجد لتلك الصفة، أي: الإنسان المتصف بالعلم خارجاً.
الثانية: الإنسان الفاقد لتلك الصفة، أي: الإنسان غير العالم.
و لا يمكن تصور وجود الماهيّة خارجاً إلّا ضمن إحدى الحصتين المتقدمتين؛ لأن أي فرد من أفراد الإنسان في الخارج، إمّا أن يكون عالماً أو جاهلًا؛ إذ لا يمكن تصوّر حصّة ثالثة لتلك الماهيّة ينتفي فيها كل من الوجدان لصفة العلم و الفقدان لتلك الصفة؛ لأن تصوّر مثل تلك الحصّة يعني التصديق بارتفاع النقيضين- أي وجود صفة العلم و عدم وجودها في شخص واحد- و هو مستحيل كما هو واضح.
إن قلت: لما ذا لا نتصور مفهوم الإنسان الجامع بين الإنسان الواجد لصفة العلم و الإنسان الفاقد لتلك الصفة، فيكون حصّة ثالثة من حصص الماهيّة إضافة إلى الحصتين المتقدمتين؟
كان الجواب: إنّ مفهوم الإنسان الجامع بين الواجد لصفة العلم و الفاقد لها، ليس حصّة ثابتة في الخارج في عرض الحصتين المتقدمتين بحيث يكون لهُ وجود مستقل، بل هو موجود في الخارج بوجود حصصه و أفراده؛ إذْ لو كان لهُ وجود مستقل في عرض الحصتين السابقتين، لما كان جامعاً بينهما كما هو واضح.
الثانية: انحاء الوجود الذهني للماهيّة
ثمّ إننا لو تجاوزنا عالم الخارج، و تتبعنا وجود الماهيّة في الذهن بلحاظ المعقولات الأولية للذهن، و التي ينتزعها من الخارج مباشرة، لوجدنا أن لها ثلاث وجودات ذهنية، كل وجود منها يشكل حصة من حصص تلك الماهيّة، و صورة ذهنية