البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٠٢ - النوع الأول السيرة التي تكون دليلًا على الحكم الشرعي الواقعي
خارجي و لو كان ذلك لأجل عدم تحقق موضوعه خارجاً [١].
و نعني بالارتكاز أو البناء العقلائي تلك النكتة التي تقتضي جرياً عملياً و سلوكاً خارجياً على طبقها، بحيث لو سُئل العقلاء عمّا يبرّر عملهم لأجابوا و علّلوا بنفس تلك النكتة، فمثلًا السيرة العقلائية القائمة على الأخذ بظهور كلام المتكلم للكشف عن مراده و مقاصده، فإنّ النكتة التي دفعت العقلاء لهذا العمل هي كون الظهور كاشفاً عن الواقع و التعامل معه ككاشفية القطع عن الواقع.
إذن، المراد من السيرة العقلائية ما يشمل الارتكاز المتجرّد عن العمل أيضاً، و على هذا فتسميتها ببناء العقلاء أولى من تسميتها بالسيرة؛ لأنّ الظاهر من إطلاقها هو السلوك العملي الخارجي للعقلاء.
فسكوت الشارع عن مثل هذه السيرة و عدم ردعه عنها دليل على إمضائها و ارتضائها من قبل الشارع، و بالإمضاء تعتبر السيرة دليلًا على الحكم الشرعي [٢].
التمييز بين نوعين من السيرة:
و في هذا المجال ينبغي التمييز بين نوعين من السيرة:
النوع الأول: السيرة التي تكون دليلًا على الحكم الشرعي الواقعي
و هي السيرة بلحاظ مرحلة الواقع، و نقصد بها السيرة القائمة على تصرّف معيّن باعتباره الموقف الذي ينبغي اتخاذه واقعاً في نظر العقلاء، بمعنى أنّه هو الواقع لا أنّه طريق إلى الواقع، سواء كان ذلك التصرّف القائم مرتبطاً بالحكم التكليفي، أم كان مرتبطاً بالحكم الوضعي، و الأوّل من قبيل السيرة القائمة على اناطة التصرّف في مال
[١] مثلا لو كانت النكتة المرتكزة في أذهان العقلاء في ذلك الزمان هي أن الحيازة سبب للملكية من دون فرق بين حيازة الحطب أو حيازة النفط أو حيازة الذهب، و لكن لم يكن هناك سلوك عقلائي أو سيرة عقلائية قائمة على حيازة النفط في ذلك الزمان، إمّا لعدم التوجه إليه أساسا أو لعدم وجود أو توفر امكانات استخراجه، ففي مثل هذه الحالة، لو استطعنا ان نكتشف تلك النكتة لكان ذلك كافيا لإثبات أن حيازة النفط سبب لملكيته.
[٢] بل الصحيح و الأولى إن يقال: ان السيرة في الحقيقة موضوع لما هو الدليل و ليست هي بنفسها دليلا شرعياً، بل إن الدليل الشرعي في الحقيقة هو عبارة عن الإمضاء المستكشف من خلال سكوت المعصوم و عدم ردعه عن تلك السيرة.