البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦٢ - الفرق بين إيجاديّة الحروف و إيجاديّة الجمل الإنشائية
الفرق بين إيجاديّة الحروف و إيجاديّة الجمل الإنشائية:
فكما ادعي في الحروف أنها إيجاديّة، فكذلك يدعى هنا في الجمل الإنشائية بأنّها إيجاديّة أيضاً، و لكن، مع الاختلاف بين هاتين الإيجاديتين؛ لأن إيجاديّة الحروف تعني إيجاد الربط في مرحلة الكلام و الاستعمال، فالحرف «في» في قولنا: «النار في الموقد» أوجد الربط بين النار و الموقد في مرحلة الكلام و الاستعمال، و بدونه لم يكن هناك ربط بينهما قبل الاستعمال، و إيجاديّة الجمل الإنشائية ك- «بعتُ» إذا كنا قد
قصدنا بها الإنشاء و الإيجاد، تعني أنها أوجدت المعنى- و هو التمليك- بالكلام؛ بحيث لو لا الكلام، و قولنا: «بعتُ»، لما وُجِدَ هذا التمليك [١].
و بعبارة أخرى: إن الفرق و الاختلاف بين إيجاديّة الحروف و إيجاديّة الجملة الإنشائية ليس في أصل الإنشاء و الإيجاد، بل فيما هو الموجَد في كل منهما؛ فالموجد في باب الحروف- و هو الربط الكلامي- حالة قائمة بنفس الكلام بحيث لولاه لما كان هناك ربط، فهو متقوّم به تقوّم العرض بمحلّه [٢]، و ما هو الموجَد في باب الإنشاء، أمر اعتباري تشريعي مسبب عن الكلام و ليس متقوّماً به، بمعنى: أن الكلام- كقولك: «بعت كتابي»- يكون سبباً لإيجاد ذلك الاعتبار و هو الملكية؛ لأن الملكيّة من الأمور الاعتباريّة التي اعتبرها الشارع.
و خلاصة الفرق بين إيجاديّة الحروف و إيجاديّة الجملة الإنشائية مع اشتراكهما في أصل الإيجاد، هو أنّ الموجَد في الحروف- و هو النسبة و الربط- متقوّم حدوثاً و بقاءً بالاستعمال، بمعنى: ان المتكلّم ما دام متشاغلًا بالكلام و الاستعمال فالنسبة محفوظة، و تنعدم هذه النسبة بمجرّد الخروج عن موطن الاستعمال و انتهاء المتكلّم من الكلام.
و أما الموجَد في الإنشاء، فهو غير متقوّم بالاستعمال بقاءً و إن كان متقوماً به
[١] راجع فوائد الأصول: ج ١ ص ٤٦ و ٤٧
[٢] فبياض الحائط مثلًا في الخارج، لا يمكن أن يوجد إلّا إذا كان هناك حائط، و من هنا عرّفوا العرض بأنّه إذا وجد وجد في موضوع، بخلاف الجوهر؛ فإنه الموجود لا في موضوع، و في المقام، حيث إن المعنى الحرفي يوجد الربط في الكلام، فهو متقوّم بنفس الكلام، و لا يوجد بدونه؛ لأنه من قبيل وجود العرض بلا محل و موضوع، و هو باطل.