البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٧٩ - الأول في بيان معنى الطلب و كيفية دلالة كلّ من مادة الأمر و هيئته عليه
القسم الأول ما يدل على الطلب بلا عناية
ذكرنا أن ما يدلّ على الطلب بلا عناية هو مادة الأمر و هيئته كصيغة «افعل»، و الكلام فيهما يقع في موردين:
الأول: في بيان معنى الطلب و كيفية دلالة كلّ من مادة الأمر و هيئته عليه
قوله (قدس سره) ص ١٠٩: «الطلب هو السعي ... الخ».
إن الطلب في اللغة عبارة عن السعي نحو المقصود [١]، فمن كان يقصد إلى شيء، و تعلّق غرضه به، و سعى إلى تحقيقه و تحصيله، يكون طالباً له، و هذا السعي، تارة يكون سعياً مباشراً؛ بأن يقوم الإنسان بنفسه بتحصيل مقصوده، كسعي العطشان بنفسه و بتحريك عضلاته نحو الماء لأجل تحصيله، و يسمّى بالطلب التكويني، و أخرى يكون سعياً غير مباشر؛ بحيث لا يتولّى الإنسان نفسه تحصيل غرضه و مقصوده، بل يقوم بتحريك الغير و تكليفه بما يكون محقّقاً لغرضه، كالعطشان إذا أمر غيره و طلب منه أن يأتيه بالماء البارد ليشربه، فإن مثل هذا الشخص قد سعى نحو مقصوده و هو دفع العطش عن نفسه، و لكن لم يسع سعياً مباشراً بأن تحرّك بنفسه لطلب الماء، بل أمر غيره ليحضره له، فمثل هذا الطلب يسمّى بالطلب التشريعي.
فكل من الطلب التكويني و الطلب التشريعي سعي نحو المقصود، و لكن إن كان سعياً مباشراً بأن يتحرّك الإنسان بنفسه لتحقيق و تحصيل مقصوده، سمّي طلباً تكوينياً، و إن كان بتحريك الغير و تكليفه، سمّي طلباً تشريعياً.
و في المقام، نحن نبحث عن خصوص الطلب التشريعي، و هو ما كان مدلولًا لمادة الأمر و هيئته، لا ما يعمّ الطلب التكويني؛ لأن الأمر لا يدلّ إلّا على الطلب التشريعي خاصّة.
[١] قال ابن منظور في لسان العرب ج ١ ص ٥٥٩:) الطلب: محاولة وجدان الشيء و أخذه (.