البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٥٧ - الثاني حجية الإجماع بالتعبّد الشرعي
وجوه بل أقوال [١]:
الأول: حجية الإجماع بقاعدة اللطف
ما ذهب إليه الشيخ الطوسي، من أن حجّية الإجماع إنما هو من باب قاعدة اللطف العقلية التي تقتضي لزوم تدخّل الشارع للحيلولة دون الاجتماع على الخطأ؛ لأنّه في الاجتماع على الخطأ تضييع للمصالح الحقيقيّة التي جعلت الأحكام بتبعها على الناس بصورة كلية، كما لو كان الحكم الواقعي هو الوجوب، و أجمع الفقهاء على عدم الوجوب، أو أجمعوا على الحرمة، و حينئذٍ، فمن اللطف اللازم عليه سبحانه و تعالى أن لا يسمح بضياع تلك المصالح بصورة كلية، بل لا بدّ من الحفاظ على تلك المصالح و لو في ضمن بعض الأقوال، فيجب من باب اللطف إلقاء الخلاف بينهم بإظهار الحق و لو لواحد منهم؛ فإذا أجمع الفقهاء على حكم كوجوب صلاة الظهر- مثلًا- في ظهر يوم الجمعة، كشف ذلك عن أنّه هو الحكم الواقعي، و إلا كان ذلك خلاف اللطف، و يعبّر عنه عادة بالإجماع اللطفي [٢].
الثاني: حجية الإجماع بالتعبّد الشرعي
بدعوى قيام دليل شرعي على حجّية الإجماع و لزوم التعبّد بمفاده، و يكون حاله حال خبر الثقة الذي قام الدليل على حجّيته و لزوم التعبّد بمفاده، و حيث إن مفاد الإجماع هو الحكم الشرعي، فيثبت ذلك الحكم الشرعي تعبداً؛ لأنّه هو مفاد الإجماع الذي لزم التعبّد به [٣].
[١] عند ما يُقال في المسألة وجوه، فهذا يعني أنه يوجد ما يمكن أن يكون وجهاً أو دليلًا في المسألة، سواء وجد بالفعل مَنْ يقول به و يذهب إليه أم لا، و عند ما يُقال: في المسألة أقوال، فهذا يعني وجود من يقول بذلك القول أو يتبنّاه
[٢] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج ٣ ص ١٤٩:) و قيل: إن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم الله الواقعي الذي أمر المعصوم (عليه السلام) بتبليغه إلى الأنام، و يحكى ذلك عن شيخ الطائفة (.
[٣] و ينبغي الالتفات هنا إلى أنه ليس المقصود من الدليل الشرعي الذي فرض قيامه على حجية الإجماع وفقاً لهذا الوجه هو نفس الدليل الشرعي الذي قام على حجية خبر الثقة، بل المقصود أنه كما تعبدنا الشارع بمفاد خبر الثقة، يدّعي قيام دليل شرعي معيّن على التعبد بمفاد الإجماع، و ليس هو الدليل الدال على حجية خبر الثقة كما توهمه البعض، و ما ذكره السيد الشهيد في المقام بالنسبة إلى ما يتعلق بخبر الثقة، إنما هو لأجل التشبيه و التنظير، لأجل تقريب هذا الوجه ليس إلّا. نعم، قد يكون الدليل الدال على حجية خبر الثقة دليلًا على حجية الإجماع المنقول، و لكن هذا لا يعني أكثر من الثبوت التعبدي للإجماع بهذا النقل، لا أنه يكون دليلًا على حجية نفس الإجماع، و الفرق واضح بين المقامين كما أشرنا سابقاً، فلا تغفل، و تدبّر.
و من خلال ذلك، يظهر الاشتباه و الخلط في ما ذكره الشيخ الإيرواني (حفظه الله) في شرحه للحلقة الثالثة ج ٢ ص ٤٦، عند بيانه لهذا الوجه، فقد قال:) إن الوجه في حجية الإجماع هو نفس أدلة حجية الخبر .... الخ (، أما الاشتباه، فإنه قد توهم أن مقصود السيد الشهيد بهذا الوجه هو إثبات حجية الإجماع بنفس الدليل الدال على حجية خبر الثقة، و قد بينّا أن مقصوده غير ذلك، و أمّا الخلط، فإنه قد خلط بين حجية نقل الإجماع الذي لا يعني سوى الثبوت التعبدي للإجماع، و بين الوجه في حجية أصل الإجماع الذي هو محل البحث، سواء أ كان ثابتاً بالتعبد، كما لو كان إجماعاً منقولًا، أم ثابتاً بالوجدان، كما لو كان إجماعاً محصلًا.