البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٦ - الإشكال الأول
بصدور الترخيص في المخالفة [١].
و بهذا يتعيّن الثاني، و هو كون موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال فرع مرتبة معيّنة في ملاك الطلب، و هي كون الطلب ناشئاً من ملاك لزومي، فالوجوب العقلي إذن فرع هذه المرتبة، و لا كاشف عنها إلّا الدليل اللفظي الذي يدلّ على الطلب؛ لأن الملاك مدلول التزامي لطلب المولى، فالدليل اللفظي يدلّ على الطلب بالدلالة المطابقيّة، و على الملاك بالدلالة الالتزامية [٢]، و حينئذٍ، فلا بدّ من فرض أخذ المولى لتلك المرتبة من الملاك في مدلول اللفظ، بحيث يكون اللفظ كاشفاً عن كون الطلب المبرز ناشئاً من ملاك لزومي؛ لكي يتنقّح بذلك موضوع الوجوب العقلي، وعليه، فلا يحكم العقل بلزوم الامتثال بمجرّد صدور الطلب من المولى، ما لم يكشف هذا الطلب عن كونه ناشئاً من ملاك لزومي [٣].
[١] قد يقال هنا: إنّ المقصود من اقتران الطلب بالترخيص في المخالفة لكي لا يحكم العقل بالوجوب و بالتالي يثبت الاستحباب، إنما هو لأجل الكشف عن أن الطلب لم يكن ناشئاً من داع لزومي، و حينئذٍ، لو اطلع المكلّف على أن هذا البعث لم يكن ناشئاً من ملاك لزومي، فهنا لا يحكم العقل بلزوم الانبعاث عنه، و هذا بنفسه يكون دليلًا على الترخيص في مخالفة ذلك الطلب و عدم لزوم الانبعاث عن ذلك البعث. و لا يريد المحقق النائيني غير هذا المعنى، و يدل على ذلك ما جاء عنه في أجود التقريرات ج ١، ص ٩٥: «فاعلم أن الصيغة متى صدرت من المولى، فالعقل يحكم بلزوم الامتثال؛ باقتضاء العبودية و المولوية، و لا يصحّ الاعتذار عن الترك بمجرد احتمال كون المصلحة غير لزوميّة، إلّا إذا كانت هناك قرينة متصلة أو منفصلة على كونها غير لزومية». و من الواضح أن القرينة الدالة على كون المصلحة غير لزومية لا يشترط فيها أن تكون لفظية، بل يكفي في ذلك مطلق القرينة و إن لم تكن لفظية
[٢] فلو قال المولى: «أقم الصلاة»، دلّ ذلك على طلب الصلاة، و على كون ذلك الطلب ناشئاً من ملاك، و هو عبارة عن المصلحة في فعل الصلاة، فالدليل اللفظي كقوله: «أقم الصلاة»، هو الكاشف عن ذلك الملاك كشف المعلول عن علّته؛ لأن الملاك بمثابة العلّة لحكم المولى و طلبه
[٣] و هذا مما لا يرفضه المحقق النائيني، غاية الأمر، إنه يرى أن الطلب الصادر من المولى يحقق موضوع حكم العقل بالوجوب، لا أنه بنفسه يدل على الوجوب؛ و ذلك لأن الوجوب عنده ليس إلّا لزوم الانبعاث عن الطلب الذي أظهر المولى من خلاله مولويته، فهو بقطع النظر عن تلك المولوية لا معنى للقول بأنه يدل على اللزوم أو الوجوب، فالدال على الوجوب هو كون ذلك الطلب قد صدر من المولى، فهو لا يريد أن يقول أن تلك المرتبة من الملاك ليست مدلولًا لفظياً، أو أنها لا دخل لها في لزوم الانبعاث، و إلّا فكيف حكم بلزوم الانبعاث عنها؟! و يدل على ذلك ما نقلناه عنه في بعض الهوامش المتقدمة، من أن الاعتذار عن مخالفة الطلب بدعوى احتمال أنه غير ناشئ من مصلحة لزومية لا يصح ما لم تقم قرينة متصلة أو منفصلة على أن المصلحة غير لزومية، بل غاية ما يريد قوله، هو: أن تلك المرتبة من الملاك التي كشف عنها الطلب، بمجردها و من دون ضميمة كون ذلك الطلب صادر من المولى، لا تدل بنفسها على الوجوب، و يدل على ذلك ما صرح به في فوائد الأصول ج ١ ص ١٣٧ حيث قال: «أن الوجوب لا يستفاد من نفس الصيغة وضعاً أو انصرافاً، بل إنما يستفاد منها بضميمة حكم العقل»؛ فإنه قد جعل استفادة الوجوب من الصيغة نفسها، لكن بضميمة حكم العقل، و ليس من باب الوضع أو الانصراف.