البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٠٩ - كيفيّة تصحيح الاستدلال بالسيرة على الحجّية
هذا البناء لا يضرّ الشارع سواء كان قول اللغوي حجّة عنده أم لا.
إن قلت: لما ذا لا يفترض بناء العقلاء على أن قول اللغوي حجّة بلحاظ كل حكم و حاكم و أمر و آمر بما فيهم الشارع، فحينئذ إذا أردنا معرفة كلمة معيّنة وردت في كلمات الشارع لتشخيص أمره رجعنا إلى اللغوي لمعرفة ذلك، و اعتمدنا على الظنّ الناشئ من قوله كما هو الحال في بناء العقلاء على الظنّ الحاصل من قوله في مجال الأغراض التشريعيّة لهم، وعليه، فإذا لم يكن الشارع قد جعل الحجّية لقول اللغوي، لكان ذلك البناء مضرّاً بالشارع، و يعرّض أغراضه للخطر، فيجب عليه أن يردع عن ذلك البناء، و إذا لم يردع عنه، استكشفنا الإمضاء من السكوت و عدم الردع على أحد الأساسين المتقدّمين؟
كان الجواب: إنّ العقلاء عند ما يجعلون قول اللغوي حجّة بمعنى كونه منجّزاً لحكم أو معذّراً عنه، إنّما يصحّ ذلك بلحاظ تشريعاتهم العقلائية كآمرين و مأمورين، و لا يحقّ لهم أن يجعلوا ذلك حجّة بلحاظ تشريعات غيرهم، لأنّ جعل شيء منجّزاً أو معذّراً لحكم أو أمر، لا يعقل إلّا من قبل جاعل ذلك الحكم بالنسبة إلى مأموريه و مكلّفيه، فإذا كان جاعل الحكم هو الشارع، فلا يحق لغيره أن يجعل قول اللغوي منجّزاً على المكلّف أو معذّراً له؛ لأنّ ذلك من حق الشارع وحده، فمثلًا لو أراد الأب أن يجعل أمارة معيّنة حجّة بينه و بين أبنائه بلحاظ أغراضه التشريعية التي يطلبها منهم، كأن يقول لهم: كلّما وجدتموني واقفاً فأتوا لي بالماء- مثلًا- أو غير ذلك، فإنّه لا يحق له أن يجعل تلك الامارة حجة بالنسبة لكل أب مع أبنائه، و بهذا، يتضح أنّ حجّية قول اللغوي المتبانى عليها عقلائياً، إنّما هي في حدود تشريعات العقلاء أنفسهم، و لا يحقّ لهم تعميمها لتشريعات غيرهم كالشارع، و ما دامت في حدود و نطاق تشريعاتهم العقلائية فلا تضرّ الشارع، وعليه، فلا يجب عليه الردع عنها حتى لو لم يكن قول اللغوي حجّة بالنسبة إلى تشريعاته و أحكامه.
كيفيّة تصحيح الاستدلال بالسيرة على الحجّية:
قوله (قدس سره) ص ١٨٩: «و ليس بالإمكان تصحيح الاستدلال بالسيرة ... إلخ».
بعد أن تبيّن من خلال البحث السابق أن الاستدلال بالسيرة على حجّية أمارة ظنّية