البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٠٨ - المقام الثاني تحصيل الأغراض التشريعية
منجّزاً و معذراً إلى أن سيرتهم قد انعقدت على أن كل آمر عقلائي يجعل قول اللغوي حجّة في فهم المأمور لما يصدر منه من كلام بنحو يكون منجزاً و معذّراً، فكل عاقل إذا قدّر له أن يمارس حالة آمرية كأن يكون رئيساً في دائرة معيّنة أو مؤسسة يجعل قول اللغوي حجّة على مأموريه و مرءوسيه.
و من الواضح إنّ مثل هذه السيرة و البناء العقلائي في هذا المقام، أي: في مجال الأغراض التشريعية للعقلاء أنفسهم، ممّا لا يفوّت على الشارع الأقدس غرضه حتى لو لم يكن قول اللغوي حجة بالنسبة لأحكامه؛ و ذلك لعدم مساس تلك السيرة بأغراض الشريعة؛ لأنّ مجالها هو الأغراض التشريعيّة الخاصة بهم كعقلاء و لا يهم الشارع الأغراض التشريعية للآخرين ما دامت لا تمسّ أغراضه، فلا يلزم على الشارع أن يردع عنها حتى لو لم يكن موافقاً لهم في جعلهم قول اللغوي حجّة بالنسبة إلى تشريعاتهم، فلا يمكن أن يستكشف الإمضاء من السكوت و عدم الردع؛ لأنّ السكوت هنا لا يكون نقضاً للغرض حتى يقال: إن نقض الغرض قبيح، فلا يمكن تطبيق أي من الأساسين المتقدّمين على تلك السيرة لاستكشاف الإمضاء و عدم الردع من السكوت.
و بهذا، يتضح الفرق بين السيرة العقلائية بلحاظ مرحلة الواقع، و السيرة العقلائية الثانية و بلحاظ مرحلة الظاهر، أي: سيرة العقلاء على أنّ الحيازة سبباً للملكية و سيرتهم على حجّية قول اللغوي؛ حيث إن السيرة الأولى منعقدة على أمر واقعي لا بدّ أن يكون فيه للشارع موقف، لشمول الحكم لجميع وقائع الحياة، و في المقام، إما أن تكون الحيازة سبباً للملكية عند الشارع أو لا تكون كذلك، فعلى الثاني تكون السيرة العقلائية قد مسَّت بغرض الشريعة فيجب عليه أن يردع عنها، فإذا سكت و لم يردع عنها استكشفنا امضاءه لتلك السيرة، و بالتالي كون الحيازة سبباً للملكية عند الشارع.
و أما بالنسبة إلى السيرة الثانية، أي: السيرة بلحاظ مرحلة الظاهر، فحيث إنها انعقدت في مجال الأغراض التشريعية للعقلاء أنفسهم و لم تتعرّض إلى أمر له مساس بأغراض الشارع، بل غاية ما تقتضيه مثل تلك السيرة من سلوك لا يتجاوز التزامهم بأن قول اللغوي منجّز و معذّر في علاقات الآمرين بالمأمورين من العقلاء، فإنّ مثل