البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٧٢ - الإجماع البسيط و الإجماع المركّب
لأجل ذهابه إلى الاستحباب، و إلّا فلو لم يتم عنده الدليل على الاستحباب، لكان من الممكن بالنسبة إليه الحكم بحرمتها، و هذا هو ما نعنيه بالإجماع المركب على نفي الحكم الثالث، أي: نفي الحرمة في المثال المتقدّم.
إذن، تارة يكون نفي الثالث و هو الحكم بالحرمة ممّا يقول به كل من ذهب إلى الوجوب أو الاستحباب بقطع النظر عن رأيه، و أخرى يكون نفيه مرتبطاً بما يتبنّاه من رأي في المسألة، ففي الحالة الأولى، لا شكّ في تحقق الإجماع على عدم الحرمة، و يكون في الحقيقة من الإجماع البسيط لا الإجماع المركب، لأنّهم جميعاً متفقون على عدم الحرمة و بقطع النظر عن اختلافهم في وجوبها أو استحبابها، و يتم حينئذ نفي الحكم الثالث- أي الحرمة- بذلك الإجماع.
و أمّا في الحالة الثانية و هي حالة الإجماع المركّب على نفي الثالث، فلا يمكن أن ننفي الحرمة بذلك الإجماع المركّب، و لا يكون حينئذٍ مثل هذا الاجماع حجّة في نفيه؛ و ذلك لأنّ حجّية الإجماع كما تقدم إنّما هي باعتبار كشفه الناشئ من تجمّع القيم الاحتمالية للإصابة و عدم الخطأ، و في المقام نحن نعلم بأن القيم الاحتماليّة الموجودة في مجموع الفتاوى لنفي الحرمة قسم منها غير مصيب للواقع جزماً، نتيجة للاختلاف في الآراء؛ إذ لا يمكن أن يكون كل من الحكمين أي: الوجوب و الاستحباب- مصيباً للواقع، و هذا يعني أننا نعلم بخطإ بعض المجمعين، فلو كان نصفهم قائل بالوجوب، و النصف الآخر قائل بالاستحباب، فهذا يعني انه سوف يسقط نصف تلك القيم الاحتماليّة عن الدخول في عملية حساب الاحتمالات لأجل تعارضها و تكاذبها، فلو كان في الإجماع البسيط يحصل العلم بإفتاء ثمانية من الفقهاء بفتوى واحدة، ففي الإجماع المركّب على نفي الحكم الثالث ليس عندنا إلّا أربعة فقهاء بحسب الفرض؛ لسقوط نصف العدد بالتعارض و الاختلاف في الفتوى، فإذا كان ضرب ثمان قيم احتمالية بعضها بالبعض الآخر يؤدي إلى العلم بصدق القضية، فمن الواضح أن ضرب أربع قيم احتمالية منها بعضها بالبعض الآخر لا يؤدي إلى العلم قطعاً، و معه، لا كاشفية للإجماع المركب على نفي الثالث، فلا يكون حجّة في نفيه.