البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٨ - عدم تمامية هذا التوجيه
الشمولية في متعلق الأمر تقتضي وحدة الحكم، و الشمولية في متعلق النهي تقتضي تعدد الحكم، و من الطبيعي أن لكل حكم عصيان مستقل، و عقاب مستقل، فيتعدد العصيان و العقاب بتعدد الحكم، و يكون واحداً فيما لو كان الحكم واحداً، و يكون مقتضى امتثال النهي و عدم عصيانه هو أن يترك المكلف كل أفراد الكذب، و مقتضى امتثال الأمر و عدم عصيانه هو أن يأتي المكلف و لو بصلاة واحدة.
عدم تمامية هذا التوجيه:
و لكن هذا التوجيه و التفسير للفرق بين الأمر بالطبيعة و النهي عنها، و جعله من نتائج الشمولية المقتضية لتعدد الحكم، و البدلية المقتضية لوحدة الحكم، لا يتم في جميع موارد النهي، بل هو مختص ببعضها؛ و ذلك لأن متعلق النهي يمكن أن يتصور على نحوين:
الأوّل: أن يتعلق النهي بطبيعة تقبل التكرار في الوجود كما في المثال المتقدم؛ حيث إن طبيعة الكذب قابلة للتكرار بحيث يكون لها وجود أوّل، و ثان، و ثالث، و هكذا.
الثاني: أن يتعلق بطبيعة لا تقبل التكرار، كما أدعي ذلك في الحدث، حيث قيل إن ماهيّة الحدث لا تقبل التكرار و التعدد؛ بدعوى أن الحدث إذا حصل ما يوجبه كالبول- مثلًا-، فهو باق و مستمر ما لم يتحقق ما يزيله و يرفعه كالوضوء [١].
و حينئذٍ، فلو قال المولى: «لا تحدث»، ففي هذه الحالة لا يشتمل هذا الخطاب إلّا على تحريم واحد، و ذلك لعدم قابلية تلك الطبيعة للتعدد، بل ليس لها إلّا وجود واحد كما كان الوجوب في: «صل» واحداً أيضاً، و مع أن التحريم هنا واحد لا متعدد، إلّا إننا نجد أنّ هناك فرقاً بين الأمر و النهي، و هو أن الأمر بالطبيعة لا يقتضي إلّا الإتيان بفرد واحد من أفرادها، بينما النهي عن الطبيعة يستدعي تجنب كل فرد من أفرادها.
[١] هذه الدعوى تبتني أساساً على كون الحدث عبارة عن الحالة المعنوية الحاصلة للمكلف عند حصول ما يوجبه، من بول، أو غائط، أو نوم، و غير ذلك مما يذكر عادة في هذا المجال، و إلّا فلو فرض كون الحدث نفس هذه الأمور من بول، أو نوم، فالقول بتكراره و تعدده يكون واضحاً.